الامتحانات الموحدة
{ وصلتني هذه الرسالة من الأستاذ التربوي “حسبو عبد الله” رداً أو تعليقاً على ما كتبناه في هذه الزاوية عن الامتحانات الموحدة والمسألة التعليمية.. وننشر نص الرسالة باعتباره من آل البيت ويحق له الإفتاء..
طالعت باهتمام مقالة الأستاذ “صلاح حبيب” تحت عنوان: الامتحانات الموحدة والمنهج التعليمي، بصحيفة (المجهر السياسي) بتاريخ 2/2/2013م، وقد أعجبني ذلك المقال حقاً كتربوي عمل في حقل التعليم لأكثر من (40) عام ولا زال يعمل بالتدريس في المدارس الخاصة بعد بلوغه سن المعاش.
المقال جاء نقداً لطريقة الامتحانات الموحدة للمدارس الحكومية والخاصة لمرحلة الأساس، وأتفق تماماً مع الأستاذ “حبيب” بكل ما جاء في تلك المقالة سيما وهي صادرة من أحد قادة الرأي. لقد جاءت صادقة وثاقبة، فالامتحانات تأتي أحياناً خارج المقرر في بعض أسئلتها، وحقاً إن معلمي كل مدرسة أكثر إلماماً بالمقررات لاحتكاكهم المباشر بالعملية التعليمية والإحاطة بكل جزئياتها، ودور الموجه يقتصر في توجيه المعلم فنياً وتقويمه وإرشاده في طريقة إلقاء الدرس ونقل المعلومة بأسهل الطرق، وأنا أعلم أن وضع تلك الامتحانات يقوم به السادة الموجهون، علماً أن كثيراً منهم غير ملمين بالمقررات من الناحية الكلية، وبالتالي هم بعيدون عن الإلمام بالمقرر وكثير منهم بينهم وبين التدريس سنوات عديدة.
إن من المتفق عليه أن هناك شروطاً للامتحان الجيد أبرزها الشمول والتدرج في وضع الأسئلة سهل- متوسط- أعلي ليفرق بين المستويات ويشمل كذلك وضوح الأسئلة والثبات.
إنني أرى في الامتحانات الموحدة لكل الصفوف بدعة ابتدعتها إدارات التعليم في معظم محليات السودان، وهي إحدى وسائل الجبايات التي ابتليت بها بلادنا في كل المجالات الحياتية وفيها إرهاق مادي لأولياء الأمور، إذ علمت أنها تصل في بعض الأحيان إلى عشرة جنيهات للتلميذ الواحد تقسم بين إدارات التعليم والمدارس بعد ضم تكلفة الطباعة التي لا تساوي (25%) من المبالغ المتحصلة من عشرات الآلاف من التلاميذ.
لقد جاء امتحان اللغة الإنجليزية للصف السابع مؤكداً لما خطه يراع الأستاذ “حبيب”، إذ حوت قطعة القراءة الصامتة أخطاء لغوية وتربوية وعلمية، فخلاصة القطعة تحكى على لسان أحد التلاميذ ويدعى “كمال” يعيش الآن في مدينة أم درمان ويدرس بالصف الثامن بإحدى مدارسها، وهو يكره المدرسة لازدحام الفصل بالتلاميذ ويصفهم بأن معظمهم غير مهذبين، وأن بيئة المدرسة سيئة وهي خالية من الأشجار والأزهار. ويذكر التلميذ أنه كان في العام الماضي يدرس بمدينة شندي مع أسرته عندما كان بالصف السابع، ولظروف ارتحلت أسرته لأم درمان، ويذكر أن مدرسته بشندي كانت مدرسة جميلة ومخضرة ونظيفة ذات أشجار وكثيرة الأزهار، مشيداً بتلاميذها وأساتذتها الأمر الذي افتقده في مدرسته الجديدة بأم درمان.
أترك لك عزيزي القارئ الأخطاء التربوية والعملية التي وقع فيها ذلك الأستاذ هذا بخلاف الخطأ اللغوي الذي ورد في عبارة ركيكة في الفقرة الأولى من تلك القطعة حيث يقول على لسان ذلك التلميذ:
I don’t Like the school I am at now…..
أضق إلى ذلك أن الخيارات التي وردت في السؤال 3B كلها مستبعدة، الأمر الذي أربك كثيراً من التلاميذ النجباء.
بالنسبة لامتحان العلم في حياتنا بنفس الصف السابع، ذُكر في سؤال أن كثافة الزئبق (5 جم/سم3) والصحيح هو (13,6 جم/سم3)، وجاء خطأ آخر في الإجابة النموذجية بأن حاصل العملية (48,2) مقسوم على (12,2) تساوي (4) عجبي!!
أما بالنسبة لمادة اللغة العربية لنفس الصف، فقد حوت كثيراً من الأخطاء، الأمر الذي جعل معلم تلك المادة يلهث على عدة فصول للمرور على تلاميذه لتصحيح تلك الأخطاء، مما أضاع كثيراً من وقت التلاميذ.
هذا إلمام عام لم يمكنني من الإلمام بكل الامتحانات بالنسبة لمحلية كرري، لهذا أرى أن تكون لجنة من أساتذة مختصين وذوي خبرة كل في مجاله لبيان تلك الأخطاء ومعالجتها مستقبلاً، ولتكن أول خطوة من وزارة التربية والتعليم على مستوى الولايات إلغاء– مستقبلاً– الامتحانات الموحدة حتى لا نزيد التعليم بلاءً وتدهوراً.
والله من وراء القصد
حسبو عبد الله حسن
موجه تربوي بالمعاش
معلم متعاون بالمدارس الخاصة
تعليق
إن رسالة الأستاذ “حسبو” وهو تربوي خبر جيداً المسألة التعليمية، تؤكد ما ذهبنا إليه، وقد اتضح ذلك من خلال نتائج التلاميذ الذين جلسوا للامتحانات الموحدة. وفي ظني أن الذين قاموا بوضع تلك الامتحانات ربما غابوا عن التدريس لفترة طويلة من الزمن.. صحيح هم تربويون لكن هذا لا يعطيهم الحق في وضع الامتحانات لتلاميذ ما زالوا يتلمسون طريقهم في التعليم، فأي خروج عن المألوف أو ما يدرس لهم يعتقدون أنه خارج المقرر، والمعلم الذي يدرس التلاميذ خلال العام يعلم جيداً مدى استيعاب التلاميذ للمادة التي يقدمها لهم ويفهمون طريقة الأسئلة وطريقة الحل، لذلك يجب أن تراجع الجهات المسؤولة بوزارة التربية ذلك، وأن تجلس مع المختصين خاصة الأساتذة الذين ما زالوا في حقل التعليم، وليس الذين ابتعدوا عنه لسنوات، وكل ذلك لفائدة التلميذ الذي نعوّل عليه كثيراً في المستقبل، إذ إن مستوى التعليم قد تدنى كثيراً ومستوى التلميذ أقل بكثير من مستوى التلاميذ في سنين سابقة، فحشو المقررات لم يتح للتلاميذ أية فرصة لقراءة كتب خارجية يمكن أن تفيدهم خلال فترة الدراسة، وتساعدهم في فهم الأسئلة إن كانت من خارج المقرر، فهم الآن منكبون على دراسة ما هو مقرر فقط ولا يعلمون أي شيء خارج المقرر. لذا يكون فهمهم قاصراً ومعلوماتهم العامة ضعيفة، والسبب كله الترهل في المنهج الدراسي.. فهل ستعقد وزارة التربية الاتحادية والولائية ورش عمل للنظر في هذا الأمر؟! نأمل ذلك.. ونأمل أن يكون قريباً وقبل بداية العام الدراسي القادم!!