أمي.. الله يرحمك!!
{ شعرت بأن قلبي قد سدّ حلقي، وأن أنفاسي توشك أن تتوقف!!
{ كان ذلك فجر السابع من رمضان ونحن نلتف حول سريرها بعدما أسلمت الروح إلى بارئها.. تسعة أشهر وأيام انقضت منذ إصابتها بالجلطة الدماغية التي أصابت شقها الأيسر.. كانت غيبوبة من نوع فريد، لأنها حينما تنظر إلينا ونحن متحلقون حول سريرها ترمقنا بنظرة عميقة مملوءة بالحزن!!
{ في حياتها لم تمرض كثيراً.. أرجعت السبب إلى أنها لا تأكل كثيراً، وإن شاركت في مائدة الطعام لا تمد يدها إلا الجهة التي تلي يدها.. وهي طفلة تخاف لدرجة الرعب من (القعونجة) أي الضفدعة.. وغرقت في طفولتها وكادت تموت (الحي دروبو وساع).. أصدقائي الأطباء – وهم كثر – وعلى رأسهم أخي الحبيب د. “عمر محمود خالد”، أخبروني بأنها الشيخوخة.. وعلتها مرض موت.. المرض الذي لا يرجى البرء منه.. والأعمار بيد الله..
{ أمي “دار السلام” كانت أكبر أخواتها، تليها “زينب” و”زمزم” و”عرفة” و”عمر”، وكلهم فارقوا الحياة قبلها.. وكلما وارينا الثرى إحدى أخواتها تقول: (سبحان الله!! الموت يجي للصغار ويخلي الكبار!! مخير الله!!)..
{ منذ أكثر من ثلاثة عقود كانت تحتفظ بلوازم دفنها من (كفن وحنوط وعطور وعنقريب الجنازة).. ذهبت بكفنها في حجتها الأولى في السبعينيات وعادت من الحج تحمل قطيفة لزوم النعش.. وقعت في خريف وانكسرت في عظمة (المخروقة) ناحية الحوض.. وصبرت على الكسر حتى جبر مخلفاً (حجلة) في مشيتها.. وحينما ذهبنا بها إلى قريبها الجراح البارع “الشفيع” أقر بأنها حالة شاذة في طب جراحة العظام، لأنه من المفترض أن يقعدها ذلك الكسر!!
{ تزوجت في صباها المبكر الأسطى “آدم حاج عمر” – له الرحمة – وأنجبت منه أخي المرحوم “سليمان”، ولم يدم زواجها منه طويلاً، وبعدها تزوجت من والدي وأنجبتني.. ومات والدي وأنا ابن الثانية ولم تتزوج بعدها.. كانت تقول: (أنا ما قريت لكن بفهم).. مقولة تجري على لسانها في كل مرة تسدي فيها النصح لأحد أفراد أسرتنا.. كانت تتمتع بفراسة ثاقبة.. تدرك الأشياء كما ينبغي أن تكون.. نأخذ حديثها أحياناً مأخذ (الهزار) لكن في كل الأحيان تنتصر وجهة نظرها.. كانت بارة بوالديها، تنوب عن والدتها لخدمة والدها.. وكنا لا نأكل سمكاً إلا من طبخها.. وتعالج والدها بـ (الحجامة) و(الفصاضة).
{ حينما ظهرت وشاعت أغنيتها (الله يسلمك)، أزعجتها الأغنية لأنها تعدّت على خصوصيتها كامرأة من أهل الدويم تذهب إلى السوق تشتري أشياءها شأنها شأن أي امرأة.. (ديك دار السلام الغنى ليها ولدها)!! لكن سرعان ما أحبت الأغنية لمحبة الناس لمعانيها ولحنها.. وهي أول لحن من تأليفي وأشعاري، وبالطبع أعطاها الصديق “ترباس” ألقاً وجمالاً وتطريباً..
{ أفكر في كتابة أغنية بعنوان (باب الجنة وانسدّ).. وأشعر بأنني لن استطيع رثاءها.. (أنا مهما أفصح عن مشاعري، برضو بيخوني الكلام.. وقولة بحبك ما بتكفي، وكل كلمات الغرام).. رقدت في غيبوبة مطبقة تسعة أشهر وأيام، عدة ميلاد الأجنة.. في يوم الأربعاء السابع من رمضان.. ميلاد عبرت به إلى جنة عرضها السموات والأرض بإذن الله.. فمرضها كان كفارة كافية لذنوبها.. ويوم الأربعاء انشق قبرها وواريناها الثرى بمقابر (حمد النيل) التي ضمت كل أهلنا الذين رحلوا من دار الفناء إلى دار الخلود.. والموت يظل هو حقيقة الوجود الكبرى.. (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ).. والمرادف للموت الحياة، وفي اللحظة التي فاضت فيها روح والدتي سمعنا صرخة ميلاد، فسبحان الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملاً..
{ و”دار السلام” وهي في غيبوبتها ومرض موتها.. كنت أنكر فكرة موتها.. لعلها غريزة محبتها التي أرضعتني لها في صغري.. لنا جار اسمه “أبو شوك”.. رجل طيب بسيط نبيل.. بعد أن شيعنا والدتي إلى مثواها الأخير دسّ في يدي مبلغاً من المال وأخبرني بأن أمي ادخرته من مصروفها على مدى سنوات وأوصته أن يعطيني المبلغ عقب رجوعنا من المقابر!! يا سبحان الله.. وأنت في ذمة الله تشملني رعايتك أيتها الحبيبة.. (يا ولدي يا أبو شوك.. التيجاني إيدو مقدودة وخايفة يوم موتي ما تكون معاهو قروش ويديّن أو يتحرج مع الناس وهو زول معروف)..
{ من أشكر؟! الذين دعوا لها عبر المواقع الإلكترونية؟ أم الذين رفعوا أكفهم في صلواتهم لها بالشفاء؟ أم الذين جاءوا من مدينتنا “الدويم” ينوبون عن أهلها معزين ومترحمين؟! أم أهل الإعلام وهم يذكرونها بالخير كله ليمنحونني حباً خفف من حرقة فقدها؟!
{ الملايين أحبوها رمزاً لـ “دار السلام”.. الأم، لأن كل أم دار للسلام.. فانتقلت أغنيتها معبرة لكل الناس عن محبتهم لأمهاتهم.. وكلهن دور للسلام والحب.. قالها الكثيرون لي في العديد من المناسبات: (إن لم تكتب غير “أمي الله يسلمك” لكفاك ذلك).. وبالطبع ستظل (أمي الله يسلمك) أنشودة أمهات السودان.. رأيت ذلك والطلاب عند تخرجهم في الجامعات يهدون أمهاتهم تلك الأغنية.. لذا كان هنالك مقتضى لمعرفتي ومعرفة أمي، ولهذا تصدرت صورتها بعض الصحف.. بل إن بعضها نشر صورة نادرة لي وأمي.. ولتلك الصحف الشكر الجميل.. والشكر موصول إلى آلاف الرجال والنساء والشباب الذين جاءوا معزين وإن شاء الله – كما تقول أمي – (نجيهم في السمح).. ويمتد الشكر ليشمل الرسميين من قادة العمل العام والأصدقاء والزملاء والأهل والأحباء، ذلك الحضور الذي خفف علينا فقدها، وأبان لنا أن المحبة والثقافة تجمع الناس.. وهذا ما أفاضت به جوانح كل من حضر التشييع أو جاء بنفسه معزياً أو عبر وسائل الاتصال.. ويا حليل أمي!!