حوارات

عضو لجنة المعلمين السودانيين بتجمع المهنيين السودانيين “سامي الباقر” لـ(المجهر) (2-2)

(...) هذه هي أسباب عدم تعرضنا للتعذيب

– كنا نستقي المعلومات في المعتقل من الوافدين الجدد
-(…) هذا ما قاله مسؤول الأمن لنا بُعيد السقوط
– وجدنا كل الشخصيات البارزة في المشهد الآن في المعتقل
كشف عضو لجنة المعلمين السودانيين، والمؤسس لتجمع المهنيين السودانيين الأستاذ “سامي الباقر” عن خفايا التجمع والمصاعب التي واجهتهم إبان الثورة وبعدها، مشيراً إلى أن أول من اعتقل من التجمع هما الطبيب “محمد ناجي الأصم”، والمعلم “أحمد الربيع” من لجنتي الأطباء والمعلمين – على التوالي – مشيراً إلى أن التجمع كان يزمع أن يسير موكباً للبرلمان لرفع الحد الأدنى للأجور لثمانية آلاف جنيه سوداني، غير أن تظاهرات عطبرة غيرت مسار الموكب وجعلتهم يطالبون بتنحي النظام، بدلاً من المطالبة برفع الأجور، ليكون مطلبهم متسقاً مع هدير الشارع وغليانه .. ولفت “الباقر” إلى أن تعذيب المعتقلين السياسيين قد أوقف من المعتقلات بُعيد استشهاد زميله المعلم “أحمد الخير” بسببه، كاشفاً عن أوضاع المعتقلات إبان الحراك الثوري. وأضاف “الباقر” أن الثورة لا تزال مستمرة ..لافتاً إلى أن الصعوبات التي يجدها المواطن الآن بسبب التركة الثقيلة التي خلفها النظام البائد، كما كشف عن الكثير المثير الذي تطالعونه في هذا الحوار ..
حاورته / نجاة إدريس إسماعيل
– (…) هذا ما ستفعله لجنة تفكيك النظام بوزارة التربية
} متى كان تاريخ اعتقالكم؟
-اعتقلنا في يوم 31 يناير 2018 وكان يناقش اجتماعنا أمر المعتقلين، ويقيم الإضراب الذي نفذه المعلمون، كما كنا نريد أن ندفع بالحراك الموجود بالشارع للأمام، وكنا نريد أن يكون المعلمون جزءاً من هذا الحراك؛ لأن دورهم لم يكن بالشيء المطلوب.
} هل توقعتم أن يتم اعتقالكم من أول اجتماع أرضي لكم؟
– أنا منذ أن بدأ الحراك كنت أتوقع أن يتم اعتقالي في أي لحظة، وحتى أسرتي تتوقع ذلك، فابنتي “ليلى” –التي كانت بالصف الثاني أساس العام الماضي – عندما سمعت ضرباً في الباب، قالت لي “يا بابا الباب دق ..احتمال يكونوا ديل ناس الأمن .. افتح ليهم الباب؟”
} في مثل هذه الظروف يلجأ كثير من المشتغلين بالأمر العام للتكتم لأن أسرهم يمكنها أن تثنيهم.. فلماذا أخبرت أسرتك ؟
-أسرتي رغم خوفها عليّ، إلا أنهم كانوا يقدرون ما أقوم به، ولم يثنوني عن المضي قدماً.
} أكثر ما يخيف الأسر التعذيب بالإضافة للتصفيات الجسدية .. فهل تعرضتم للتعذيب ؟
-السمعة السيئة للمعتقلات السودانية هي التي أدت لهذه التخوفات، ولكننا تم اعتقالنا بعد أن ظهر خبر استشهاد المعلم الشهيد “أحمد الخير”، وقد حمّل الشعب السوداني بكامله المسؤولية لجهاز الأمن، ولعله منذ ذلك الوقت تم إيقاف ذلك الشيء.
} ألم تسمعوا وأنتم في المعتقل عن أناس سبقوكم وتم تعذيبهم؟
– سمعنا والله !..
كنا نجلس في صالة الجهاز، وأتي إلينا بشاب، وقد (شاغلنا) ضابط الجهاز قائلاً للشاب “يا دكتور جبنا ليك الأساتذة ديل تعالجهم”، وهذا الشاب هو الذي أنبأنا بمقتل الشهيد “أحمد الخير” وطريقة تعذيبه، ولكننا عندما اعتقلنا لم يكن هناك تعذيب.
} كانت تحريات عادية؟
– نعم
} من أين كنتم تستقون المعلومات وأنتم في محبسكم؟
-مصدر المعلومات يأتينا من الوافدين الجدد للمعتقل أو من زيارات الأسر، فعندما تزور أسرة أحدنا يستقي أكبر قدر من المعلومات حتى يوصلها للآخرين.
} من هم أبرز الذين وجدتموهم في المعتقل وكانوا معكم؟
-وجدنا كل الشخصيات الظاهرة الآن في المعتقل.. فمثلا وجدنا “صديق كبلو”، و”محمد مختار الخطيب” و”أبورأس”، و”محمد ضياء الدين”، ووجدنا الزملاء في التجمع بالطبع في المعتقل، ومنهم من هم في لجنة المعلمين، ولجنة الأطباء، ولجنة المحامين، حيث وجدنا “محمد ناجي الأصم” و”أحمد الربيع” و”يس حسن” و”طه” من لجنة المحامين وغيرهم.
} أنتم كتجمع ألم تلتقوا على الأرض إلا في المعتقل؟
– (لا ..اتلاقينا لكن أثناء الحراك ما كنا بنتلاقى) خاصة في التنسيقات الأولى في عام 2013.
} ما هي أبرز الكيانات السياسية التي وجدتموها في المعتقل؟
– التجمع الاتحادي المعارض هم الأكثر وجوداً في المعتقل من الشباب، ووجدنا قيادات سياسية كثيرة في المعتقل .. وجدنا قيادة حزب المؤتمر السوداني عبر “عمر الدقير” وقيادة الحزب الشيوعي السوداني “محمد مختار الخطيب”، ووجدنا آخرين مثل “محمد يوسف أحمد المصطفى”، و”شمس الدين ضو البيت”، و”عثمان ميرغني”.. وجدنا شباباً كنا عندما نراهم نطمئن على مستقبل السودان.
} مدة الاعتقال كانت متفاوتة من شخص لآخر.. هل هناك تفسير لهذا الأمر خاصة أن فيكم من لم يفرج عنه ولم يخرج إلا بعد سقوط النظام ..فمن يحدد المدة ؟
– جهاز الأمن يحدد الأشخاص إلى تصنيفات معينة، فمنهم من يدرج تحت بند مشارك، ومنهم من يصنف باعتباره مخططاً، فالمخططون هم الذين لم يفرج عنهم إلا بعد سقوط النظام، أما المشاركون فقد أفرج عنهم..
} المتظاهرون خاصة في المواكب الأولى تعرضوا لضرب عنيف.. فهل أتوا إليكم في معتقلكم أم كانوا في معتقلات أخرى؟
-كما قلت لك إن التعذيب توقف بعد مقتل الشهيد “أحمد الخير” وعرفنا أنهم كانوا يطلقون عليه “حفلة الاستقبال” وهي ضرب بالسياط لأفراد ملثمين حتى تفقد الوعي، ثم بعدها تحمل إلى الزنزانة، ولكننا عندما ترحلنا من رئاسة الجهاز إلى معتقلات موقف شندي كان أول يوم يقف فيه التعذيب، حيث تم أخذ بياناتنا وترحيلنا إلى غرفتنا بالطابق الثاني بالمعتقل..
} كيف كان الطعام بالمعتقل وهل كانت لديكم أوقات للحركة والمشي؟
– الأكل كان بانتظام صراحة.. الفطور فول أو عدس بعد أن نكون شربنا شاي الصباح، والغداء ثابت طبيخ وسلطة، والعشاء غالباً ما يكون (أرز)، وتقدم للمعتقل بيضة يومياً، أما الذين يعانون من السكري فيعطونهم كل يومين زبادي، وكانت هناك فاكهة “موز أو برتقال”.
} هل التحري كان يومياً ؟
-لا لم يكن ثابتاً .. كان على حسب معلوماتك، فنحن في لجنة المعلمين اتحروا معنا ثلاث مرات فقط!
}هل كنتم كلجنة معلمين في معتقل واحد أم تم تفريقكم ؟
-كنا في معتقل واحد .. ولكن تم ترحيلي أنا منهم من موقف شندي إلى كوبر، وقد مكثت في معتقل كوبر طيلة العشرين يوماً ونيف الأخيرة التي سبقت السقوط..
} ولماذا الترحيل؟
-أعتقد أن بعض المعتقلات كانت بها مشاكل وتمت صيانتها وكانت معتقلات موقف شندي مكتظة بالمعتقلين لذلك آثروا ترحيل البعض إلى هناك.
} كيف تلقيتم مؤشرات زيادة المد الثوري؟
-كنا نفرح كلما جاء معتقل وأخبرنا بزيادة المد الثوري ..وأذكر أن بعض الزنازين كان بها تلفزيونات فظهر خبر أن رئيس الجمهورية عنده بيان، فالسياسي “الجكومي”- فاكهة المعتقل – هتف وأخبرنا بأن هناك شيئاً سيحدث، وعرفنا بعدها بإعلان حالة الطوارئ وتعيين العسكريين كولاة، بعد أن أخبرنا بهذه الأخبار أحد العساكر.. بعدها اعتقل الكاتب الصحفي “عثمان ميرغني” وهو من أخبرنا بكسر حظر التجوال في يومه الأول.
} حدثتا..هل علمتم بما حدث في 6 أبريل وما بعدها؟
– آخر المعتقلين أخبرنا بأن الجميع يجهز لمليونية 6 أبريل، وهي التي ستكون الحاسمة. وكنا نحلل كيف استطاع الثوار أن يصلوا القيادة.. وقلنا لابد أن يكون قد حدث للنظام تضعضع.. بعد يوم 6 أبريل صاروا يأتوننا بصحف محددة، وقد قرأت تصريحاً للناطق الرسمي باسم الحكومة “حسن إسماعيل”، وقد قال إن الشوارع المؤدية للقيادة مفتوحة والحياة بالخرطوم تسير بطبيعتها، وقد أحبطنا هذا التصريح، ولكن في ذات الصحيفة رأيت تصريحاً لـ”روضة الحاج” تقول إن الذين في الشوارع هم أولادنا.. وعندها عرفنا بأن هناك مداً ثورياً تقدم للقيادة..
} وماذا كان يقول لكم أعضاء الجهاز ؟
– كانوا يحاولون تضليلنا !
} إذن أنتم كنتم بين الأمل والرجاء أليس كذلك؟
– نعم أمل ورجاء وخوف.. حقيقة كانت مشاعر مختلطة، ولكن ما كان يطمئننا هو أصوات الهتافات التي كانت تأتينا ليلاً من كوبري الحديد، ولاحقاً عرفنا أن هؤلاء هم الثوار في وردية الليل كانوا يشعلون الهتافات إلى أن يصلوا .
}وماذا عن يوم السقوط ؟
في يوم 11 أبريل عادة ما كانوا يأتون لنا بالشاي وبعده الخبز، وكان يعطى لكل فرد فينا عدد (5) رغيفات ليومه كله.. في ذلك اليوم تم إعطاؤنا الشاي في وقت متأخر جداً، وكأنهم كانوا مشغولين في أمر ما –حسب تحليلنا- وبعدها أعطونا رغيفين فقط، وعندما سألناهم قالوا (مافي عيش لكنو بجي!) وكنا نسمع هتافات صاخبة حتى لكأن السجن أصبح يهتز من شدتها ، فإذا بأحد العساكر يقول لطبيب معنا (فلان بسلم عليك) وعندها رأينا الطبيب يهتف، وقال لينا (سقطت!) ..بعد إفطارنا أتانا المسؤول عن المعتقل، وسألنا إذا ما تلقينا إساءة في المعتقل وأخبرنا بأنهم يؤدون مهمة معينة، وأن مسؤوليته تنحصر في أكلنا وشرابنا وعلاجنا إذا مرضنا، وسألنا إذا تعرضنا لأي أذى في المعتقل، وأكد لنا بأنه يؤدي مهمة معينة.. وعندما سألناه عن أسباب حديثه ذاك أخبرنا بأن كل من يسمع اسمه (يجهز كيسه) ومدلول الكلمة عند المعتقلين تعني الإفراج، ولم يخبرنا المسؤول عن كونها سقطت .
} لحظات الخروج حدثنا عنها؟
– اتفقنا قبل الخروج على ترديد أغنية “عازة في هواك” ونحن نخرج من بوابة المعتقل، وعملنا بروفة للأغنية في الداخل، وأول ما خرجنا رددنا النشيد الخالد ..كانت الجماهير غفيرة بالخارج، وحملونا على الأعناق حتى من لم نعرفهم، واللحظة هذه لن ننساها أبداً ..
}الآن بعد مضي عام من الثورة كيف تقيم الوضع ؟
– الثورة لا زالت مستمرة .. وأي إنسان عائش في الحراك الثوري، فلن يتوقع شيئاً غير هذا الوضع، وأسباب هذا الوضع ما خلفته تركة النظام البائد.. ولكني لا أعفي الحكومة الحالية من المسؤولية، فهي عملت ببطء في تفكيك الحزب البائد، والمفروض أنها كانت تعمل بوتيرة أسرع.
}.. الآن أصبحت في دست السلطة مديراً تنفيذياً بوزارة التربية والتعليم، بعد أن كنت في السابق أحد النقابيين المطالبين بحقوق المعلمين.. الكرة الآن في ملعبك فماذا فعلت للمعلمين؟
-نحن كلجنة معلمين ما كنا نرفعه في السابق من شعارات نسعى الآن ونطالب بتحقيقه، فمنذ أن سقط النظام وتشكلت الحكومة الانتقالية سعينا في حل استقطاعات المعلمين، وتمت إيقاف الاستقطاعات هذه بقرارات من إدارة التعليم بولاية الخرطوم.. أيضاً نحن طالبنا بزيادة راتب المعلم من خلال مظلة تجمع المهنيين السودانيين.. والآن سيتم رفع الحد الأدنى للأجور من (450) جنيهاً إلى (3000) جنيه، وهذا سينعكس إيجابياً على المعلم، كما سيرتفع أجر المعلم وكذلك أجره سواء أكان في التصحيح أو الكنترول .. كذلك سعت لجنة المعلمين لتشكيل لجنة لمدارس الصداقة حتى تتاح الفرص للمعلمين جميعاً، وسيشرك المعلمون في كل العملية التربوية وسيتنافسون جميعاً بصورة عادلة.
}المعلمون بالمدارس الخاصة بعضهم يعاني من ضآلة المرتب أو حساب الراتب بالحصة أو توقفه في الإجازات ..ماذا فعلتم في هذا الأمر؟
– هذه من المشكلات الكبيرة والآن مطروح قانون التعليم الخاص للنقاش، وسنتفادى كل المشكلات التي كانت في السابق، كما سنتطرق لمعاناة المعلم خاصة في مجال تحسين الخدمة. .
} هل صحيح أن أجر المعلم سيكون (17) ألف جنيه سوداني؟
– أجره كمدخل خدمة- حسب ما صرح به – وزير المالية ونحن سنقابل وزير المالية للنقاش حول إزالة التشوهات في ما يختص بأجر المعلم .. والآن كل أبواب الحكومة مفتوحة للمعلمين، ولجنة المعلمين تحمل همومهم، وكل الذي كانت تنادي به في السابق تريد أن تنزله في أرض الواقع .
}أنتم تحملون وعوداً من الحكومة ولكن ما الذي يضمن لكم بأن الحكومة ستنفذها خاصة أن الوضع الاقتصادي سيئ؟
-هناك شفافية بيننا .. ونحن شركاء فنحن نطرح لهم قضايانا وهم يطرحون علينا حلولهم، ونحن نحمل بيد قضايا المعلمين، ونساند الحكومة باليد الأخرى، ولكننا إلى جانب المعلم أقرب .
} عرفت أنك مقرر لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو بوزارة التربية والتعليم .. حدثنا عن هذا الملف؟
– لجنة التفكيك صدرت بقرار من المجلس السيادي ومجلس الوزراء بقرار مشترك، ولجنة إزالة التمكين من أهداف الثورة الأساسية.. ونحن نرى أن كلاً من استفاد من النظام السابق فلن يمر مرور الكرام، حيث تم حل كل من النشاط الطلابي – الذي كان ذراع الحكومة – وحلت نقابة المعلمين ، وكذلك حل اتحاد المعلمين -الكيان الوهمي الذي أنشئ لخدمة منسوبي النظام البائد- وستعود أصول كل منشآت المعلم للمعلمين، وكل هذه المنشآت التي أنشئت من عرق المعلمين ستعود إليهم ،ومن هذه المنشآت صالة المعلم، ومستشفى المعلم وغيرها من المنشآت.
} هل تمت إقالة معلمين من رموز النظام البائد؟
-بالتأكيد.. خاصة أولئك الذين كانوا قادة في النظام البائد، فلن يكونوا موجودين على مستوى القيادة؛ لأن هذه المرحلة ليست مرحلتهم.. لن نفصلهم كما فصلوا وشردوا الناس من قبل، ولكننا سنقيلهم من القيادة .
}علمنا بأن هناك مناهج دراسية ستضمن الثورة والمدنية .. حدثنا عن هذا التصور؟
– سيكون جزءٌ من شعارات الثورة وأناشيدها جزءاً من المناهج، وهذا من الأشياء التي ستنزل الثورة إلى أرض الواقع، وأرض الاعتصام كانت عبارة عن أرض فاضلة للسودان التي نريد.. لكل هذا ينبغي أن تكون هذه الأشياء ضمن المنهج الذي ينبغي أن يدرس عن الثورة.

مشاركة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة المجهر السياسي السودانية