رأي

بعد.. ومسافة

“الصامدون” بين أهليهم اليوم
مصطفى أبو العزائم
من المتوقع أن يكون أبطالنا الأشاوس الذين صمدوا داخل معسكرات الحركة الشعبية – قطاع الشمال – ولم ينكسروا أو تلين لهم قناة، من المتوقع أن يكونوا قد وصلوا إلى الخرطوم اليوم، وعددهم (132) كانوا الأسرى الذين وقعوا في يد قوات التمرد خلال فترات طويلة، وبعد مواجهات عنيفة، أوقفوا فيها زحف الحركة الشعبية وصدوها تماماً عن التوغل إلى الداخل، ببسالة وشجاعة تستحق أن تروى ويسجلها التاريخ.
أسباب إطلاق سراح هؤلاء الأبطال من الأسر مقروءة مع الواقع العسكري والموقف القتالي في بعض مناطق ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، تؤكد – تلك الأسباب – على أن المبادرة التي تبدو إنسانية، ما هي في الواقع إلا محاولة للخروج من أزمة الأسر ومتطلباته، ومستلزماته، لأن الأسرى يشكلون عبئاً كبيراً على الحركة الشعبية التي تزداد وهناً على وهن، ولم تعد بتلك اليقظة أو القوة التي كانت تتمتع بهما عندما كانت خطوط الإمداد، ودفاتر الشيكات متاحة ومفتوحة بينها وبين الحركة الشعبية (الأم) التي كانت تحكم دولة جنوب السودان بيد من حديد، وتتحكم في مواردها وثرواتها، وتدفع بما تريد لقطاع الشمال من أجل تنفيذ المشروع السياسي للحركة الأم.
وجود معسكرات أو معتقلات أو سجون للأسرى يعني أعباءً أمنية كبيرة وضخمة لحراسة هؤلاء الأسرى، ومنعهم من العودة إلى داخل الوطن بأي شكل وبأية طريقة، وربما تكلف حراسة المائة والاثنين والثلاثين أسيراً تفرغ ضعف هذا العدد لحراستهم وخدمتهم بتوفير أساسيات الحياة، وهذه الخدمات نفسها أضحت ذات تكلفة عالية لم يعد بإمكان قطاع الشمال تحملها بعد الضربات العسكرية والحصار الذي فرض على قواته داخل المناطق التي تحتلها، وقد شكل ذلك مع انقطاع خطوط الإمداد المباشرة مع جوبا شكل عبئاً اقتصادياً وأمنياً لم يعد بمقدور الحركة الشعبية (قطاع الشمال) تحمله، خاصة وأنها تعاني من ويلات الهزائم المتتالية، وتواجه خطر فرار جنودها من الميدان ومن المعسكرات بصورة شبه يومية، وعودتهم إلى مناطقهم، أو تسليمهم لأنفسهم وأسلحتهم إلى أقرب مركز أو نقطة حكومية.
موقف الحكومة المعلن والواضح كان هو وقف إطلاق النار حتى تمنح الفرصة كاملة للوسطاء وللمفاوضين في الوصول إلى سلام دائم بوقف الحرب وبمنع براكين النار التي حرقت كل شيء في بعض المناطق بولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.. لقد حاصرت الحكومة الحركة الشعبية وقواتها المتمردة حصاراً فعلياً في مناطقها، وحاصرتها معنوياً أمام العالم كله والوسطاء بوقف إطلاق النار.. والدعوة إلى السلام.
خلال الأسابيع الماضية لم يكن أمام الحركة الشعبية – قطاع الشمال – إلا أن تعمل وفق قاعدة (تأكل مما تنهب) لذلك اتجهت قواتها بتوجيهات من قياداتها الميدانية إلى الهجوم على القرى الآمنة، وقتل الرعاة من الصبية والأطفال لنهب المواشي والأغنام حتى تضمن غذاء هذه القوات التي تشردت ما بين سهل وواد وجبل.
الحركة الشعبية – قطاع الشمال – أرادت التخلص من عبء الأسرى، ومن تخفيف معاناة جنودها، ورأت أن تستثمر ذلك سياسياً، حتى لا تشعر بالهزيمة المعنوية الجديدة، فرأت أن تتخذ قرار الإفراج عن الأسرى، رغم أن هناك عدة محاولات سابقة لإطلاق سراح الأسرى، لم تتم، وأرادت أن تؤكد للعالم كله وحليف دولة جنوب السودان الرئيس يوري موسفيني أنها تسعى للسلام، خاصة بعد أن تحسنت علاقات كمبالا بالخرطوم، ورأت الحركة الشعبية أن هذه الخطوة ستشكل ضغطاً معنوياً على الحكومة السودانية.
أما يوغندا والرئيس “موسفيني” فيرون أن هز الشجرة أتى بالثمار طازجة للحكومة اليوغندية، على اعتبار أنها لعبت دوراً مهماً في هذه العملية، التي لا يمكن أن نطلق عليها صفقة، لأنها لم تتم باتفاق بين طرفين، بل كانت خطوة اضطرارية وجدت الحركة الشعبية (شمال) أنها مجبرة عليها. ألف حمداً لله على سلامة أبطالنا الذين عادوا لأرض الوطن.. مرحباً بهم بين أهلهم من جديد.

مشاركة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة المجهر السياسي السودانية