بعد ومسافة
“الأرباب”.. الخروج من الشباك والدخول بالباب
مصطفى أبو العزائم
هناك نماذج من البشر تريد أن تكون في المشهد العام، بل تريد أن تكون داخل غرفة تحكمه العامة في مجريات الأحداث، وبعض تلك النماذج يملك الإمكانية والقدرة والتأثير ليستحق المساندة، والبعض قد يملك عنصراً أو عنصرين من العناصر الثلاثة، فلا يعلو منه إلا الصوت وحده، ويحاول مستميتاً أن يكون جزءاً من المشهد العام الكبير والمؤثر.
قديماً وقبل عصر الإنقاذ هذا كان اهتمام الناس كبيراً وعظيماً بمنشطين اجتماعيين هما الرياضة والفن، والفن المعني هو فن الغناء، وقد تغيرت مفاهيم كثير من الناس الآن، إما بفعل الزمن والتطور الاجتماعي والوعي العام، وإما بفعل سياسات الدولة العامة التي تقود إما لمناصرة الحكومة أو لمعاداتها.. وتوزعت اهتمامات الناس حالياً ما بين الشأن السياسي والتعليمي والرياضي والفني والتقني المتمثل في استخدام وانتشار وسائط التواصل الاجتماعي باستخدام أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية وكل مستقبلات الشبكة العالمية للمعلومات (الانترنت).
صديقنا السيد “صلاح أحمد إدريس” (الأرباب) نال حظاً من الصيت والغنا معاً، وأراد أن يؤسس لنفسه عرشاً في المشهد العام بصورته القديمة من خلال الوجود في عالم الغناء واللحن والموسيقى وعالم الرياضة، فأخذ ينثر الألحان والدرر، بينما عينه في ذات الوقت على أحد أكبر عروش الرياضة في السودان وهو رئاسة نادي الهلال الرياضي، النادي الأعلى جماهيرية على مستوى القطر، والأب الشرعي لكل أندية الهلال في المنطقة العربية.. وقد بذل الرجل مشكوراً مأجوراً ما بذل من غير نشاطه الرأسمالي الذي أدخله ذات يوم من باب ضيق إثر ضرب مصنع الشفاء وقصفه بالصواريخ الأمريكية وسط مزاعم بأنه ينتج أسلحة كيماوية محرمة.. وهذا غير نشاطه الخدمي من خلال انتمائه للحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل) تحت ظل عباءة مولانا السيد “محمد عثمان الميرغني”.. وسار طويلاً في طريق صعب حتى حقق بعض ما كان يصبو إليه، لكن النجاح دائماً لا يتحقق وفق ما يشتهي المرء، ورغم فوزه برئاسة نادي الهلال إلا أن للرئاسة ثمناً غالياً لا يتحمل دفعه كل الناس، فخرج مستقيلاً من رئاسة الهلال، الأمر الذي عده الكثيرون هروباً بالشباك، ثم أراد أن يخرج ويبقى ظله حتى أيام رئاسات التكليف، فلم يتحقق له ذلك، وأراد أن يخوض – من جديد – معركة الرئاسة في مواجهة صديقنا السيد الدكتور “أشرف سيد أحمد حسين” المشهور باسم (الكاردينال) والذي حمل درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة الأحفاد للبنات، بعد أن قدم لتلك الجامعة عدداً من المنشآت الكبيرة المعنية في العملية التعليمية الداعمة لنشر الوعي وسط النساء.. وهذا بالطبع ميدان لم يقدم فيه صديقنا “الأرباب” ما يمكن أن ينسب إليه، وقدم (الكاردينال) منشآت عامة ومساجد في عدد من المدن داخل السودان وبعضها في خارجه، وهو مما يحمد له، ويجعل كثيراً من الناس يستمطرون الدعوات والبركات له.
انجلت المعركة تلك بفوز (الكاردينال) وخرج (الأرباب) بالقاضية، لكن الأخير لم يسكت بل تحرك في كل الاتجاهات لإسقاط ذلك الفوز المستحق عن طريق الانتخابات مستنداً على إدانة خصمه في جريمة جنائية سابقة، ومرت أيام وكرت الليالي، وحقق (الكاردينال) خلال رئاسته لنادي الهلال ما لم يتحقق في عهود كل الذين تولوا الرئاسة وأنفق المليارات، لكن هناك دائماً من لا يعجبهم ولا الصيام في رجب، فانصرفوا – كعادة بعضنا – لزعزعة استقرار النادي العريق، وصرف الأنظار عما يتم فيه إلى قضايا تؤخر ولا تقدم، وقد حمل هذه الراية صديقنا (الأرباب) – غفر الله له – وراج في هذه الأثناء أنه نفسه واجه الإدانة في قضية مماثلة أو هكذا تردد، لكن ذلك لم يفت من عضده، فظل منافحاً ويواجه خصمه بأعوانه في الداخل إلى أن أصدرت المحكمة العليا قرارها باستبعاد (الكاردينال) من رئاسة الهلال، لكن تطورات أخرى لاحقة أوقفت القرار من قبل المحكمة الدستورية.. وإلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
فإننا ننتظر ما تخبئة الأيام وما يحمله المستقبل حول هذه القضية التي لن يكسب منها (الأرباب) شيئاً ولن يخسر فيها (الكاردينال) شيئاً، بل سيظل الخاسر هو مؤسسة الهلال بكامل مكوناتها.. وكل جماهير الرياضة في السودان.
ولنا كلمة أخيرة هي أن “أشرف سيد أحمد حسين” (الكاردينال) أنفع للهلال وأفيد من كل الذين يسعون للرئاسة التي يردونها خدمة لأغراضهم فلا هم (دفعوا) ما دفع “الكاردينال” ولا هم قدموا ما قدم ولا أنشأوا ما أنشأ.. ولا جعلوا الهلال في سماء الرياضة من خلال الفضائية التي ظلت حلماً يراود الجميع.. لكنه لم يتحقق إلا على يد (الكاردينال) الذي صيّره حقيقة.