بُعد ومسافة
رحيل الإمام سليل الأئمة..
مصطفى أبو العزائم
مساء الإثنين الماضي كان حوش آل الإمام، وحي القلعة وأم درمان وخريجو مدارس المدينة العريقة من الهجرة الأولية وأم درمان الأهلية الوسطى، فأم درمان الأهلية الثانوية وقاعات المحاكم في الخرطوم الكبرى، كانوا جميعاً على موعد مع الحزن والأسى ووجع الروح، برحيل رمز إنساني نبيل، هو الأخ والصديق والزميل الأستاذ “محمد صديق عمر الإمام” الذي اختاره الله إلى جواره، بعد أن أدى صلاة المغرب إماماً، داخل الخلوة القديمة المتجددة في حوش آل الإمام العتيق بحي القلعة، ثم أخذ يدعو، ولم ينفض الناس من حوله لأنهم كانوا على اتفاق بتلاوة راتبة.
أكمل الراحل المقيم “محمد صديق عمر الإمام” تلاوة الجزء الحادي عشر، ومد مصحفه إلى جاره ليكمل التلاوة، وأمسك بصدره يشكو ألماً و(طعنة) شعر بها وقتذاك، ونصحه ناصح بأن يذهب إلى الدكتور “عمر” وهو قريب من الحوش العتيق – لكن “محمداً” ابتسم وقال إن علاجه في القرآن.,. ثم تناول المصحف وأخذ يقرأ بصوته الرخيم، لكنه انكفأ على المصحف وآخر ما في لسانه كان كلام الله عز وجل.
مات بين صلاتي المغرب والعشاء، وتنادى الناس من كل فج بين مصدق ومكذب للخبر الذي انتشر انتشار النار في الهشيم، وتم الدفن عند الحادية عشرة مساء الإثنين، ونعاه زملاء دراسته في المراحل المختلفة وأصدقاؤه من أبناء الحي، ومن أبناء مدينة أم درمان، خاصة أحياء القلعة والركابية وزريبة الكاشف والمساعد وحي السوق وحي العرب وأحياء مكي ود عروسة وود نوباوي والهجرة وود البنا وبيت المال وأبو روف وحي الاسبتالية وغيرها، فقد كان الراحل المقيم رجلاً (مجاملاً) ومواصلاً للجميع وكان زاهداً يسير من منزله إلى مكتبه سيراً على الأقدام ومن مكتبه إلى قاعات المحاكم في المجمع الكبير سيراً على قدميه، يقف مع الجميع ولا ينصرف أن استوقفه أحد إلا إذا انصرف من استوقفه.
رحل “محمد صديق عمر الإمام” المهتم بقضايا الناس والبسطاء الذي كان مكتبه يكتظ بالملفات الخاصة بقضايا الفقراء، والمساكين والأرامل والأيتام والذي ما كان يأخذ مقابلاً عندما يقف في سوح العدالة مناصراً لقضاياهم، رحل “محمد صديق عمر الإمام” البار بأهله واسع العلاقات والصداقات والمعارف، رحل وله علاقات وطيدة مع عدد من أبناء نيجيريا وعدد من أبناء بعض الدول الأفريقية إذ درس القانون في إحدى الجامعات النيجيرية، مثله مثل ابن عمه صديقنا وزميلانا الراحل الإعلامي الكبير “عبد الوهاب عبد القادر” وكان رحمة الله عليه قد تأثر كثيراً بوالده وأعمامه الشيوخ الأئمة الذين ظلوا أئمة لمسجد أم درمان الكبير منذ عهد جده الأكبر “عمر الإمام” وتأثر بالشيخ “عوض عمر” مثلما تأثر بالشيخ الأستاذ “حامد” والشيخ الأستاذ “مكي” والشيخ الأستاذ “عمر الإمام” وغيرهم.
درسنا معاً في المرحلتين الأولية والثانوية ورغم أننا افترقنا في المرحلة الوسطى بقبوله في مدرسة أم درمان الأهلية الوسطى وقبولي في مدرسة أم درمان الأميرية الوسطى، بحكم موقع منزلي أسرتينا الجغرافي إلا أن صداقتنا امتدت، ولم تنقطع حتى موعد رحيله، وهي صداقة عميقة متجذرة شملت كل أبناء الحوش الكبير، فقد تزاملنا مع عدد من أحفاد الشيخ “عمر الإمام” من بينهم الراحلين المقيمين “عبد الوهاب عبد القادر” و”محمد صديق الإمام” و”سارية مكي عمر الإمام” وآخرين، مثلما قمت بتدريس بعض أبناء وبنات الأسرة عندما عملت عاماً كاملاً في مهنة التدريس بمدارس كرري.
عندما أعلن أعضاء الأسرة الكريمة عن (رفع الفراش) رفض زملاء الفقيد ذلك وطالبوا بأن يتم تمديد الفراش ليوم آخر لأن الكثيرين من زملائه خارج العاصمة يريدون الوصول للعزاء وتقبل العزاء.
أساتذتنا الذين تلقينا العلم على أيديهم في المرحلة الثانوية نعوه وبكوه بكلام مؤثر ومن بينهم الأساتذة “عمر حسن الطيب هاشم” الذي ظل حريصاً على التواصل معنا خاصة دفعتنا التي كان يرى أنها دفعة متميزة، وكذلك “عبد الرحمن حسن عمر نورين” وقد رثوا الفقيد رثاءً يستحقه فقد كان الراحل المقيم “محمد صديق عمر الإمام” أفضلنا.
رحم الله الأستاذ “محمد صديق عمر الإمام” وغفر له وعفا عنه، وأدخله فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.. وجعل البركة في ذريته والهم آله وذويه الصبر والسلوان.. آمين..
وإنا لله وإنا إليه راجعون.