بعد ومسافة
حلمٌ يتحقق بعد سبعين عاماً في أرض الشرق ..!
مصطفى أبوالعزائم
رحلة لم تستغرق أكثر من اثنتي عشر ساعة بدأت فجر (الخميس) وانتهت قبيل مغرب شمس نفس اليوم، ضمت وفداً كبيراً توجه برئاسة السيد رئيس الجمهورية المشير “عمر حسن أحمد البشير” إلى أرض تقع بين ولايتي القضارف وكسلا، لم نعرف لها اسماً سوى أنها مجمّع سدي أعالي عطبرة وستيت، أما المناسبة فهي الاجتماع الخامس لمجلس الوزراء الموقر في هذا العام، وجدول أعمال الاجتماع كله تقريباً يرتبط بالخطة الوطنية التنفيذية لكفاءة الطاقة الكهربائية بالبلاد، وموقف تنفيذ مشروع مجمّع سدي أعالي عطبرة وستيت، مع استعراض عام لمشروع استغلال الطاقة الشمسية (2020/2016م) الذي اقترحه الرئيس “البشير” قبل فترة تحت مسمى (شمس السودان طاقة وانتماء)، إلى جانب الوضع الراهن للري والرؤية المستقبلية له، إضافة للخطة الخمسية الموجهة لمياه الشرب حتى العام 2020م والمعروفة باسم (زيرو عطش).
فكرة مشروع مجمع السدين بدأت في العام 1947م قبل سبعين عاماً من الآن ولم يتم توقيع عقد التنفيذ إلا في العام 2010م، تعثر المشروع كثيراً بسبب التكلفة العالية وعدم جدية الحكومات السابقة لتعلن ضربة البداية، وقد اكتمل الآن رغم ظروف العقوبات الأمريكية التي رفعت قبل أسابيع والتي فرضت على بلادنا لعقدين كاملين .
التقارير التي تم عرضها والتوثيق المرئي والمكتوب حول المشروع، عزز ما ذهب إليه قطاع التنمية الاقتصادية بمجلس الوزراء في تقريره الخاص بمشروعات وزارة الموارد المائية والري والكهرباء التي سبق أن قدمها وزير الدولة بالوزارة في اجتماع القطاع في السادس عشر من يناير الماضي، والتي أشاد بها الاجتماع وبالإنجازات التي تمت. وهي حقيقة تستحق ما هو أكثر من الإشادة، لأن التحول الذي حدث في المنطقة لا يعرفه إلا قاطنوها وإلا الذين يعرفون المنطقة وأهلها ومدى معاناة سكانها، وقد سبق لنا أن جُبْنا تلك الفيافي، وعبرنا تلك السهول في حالتيها، عندما تكون قاحلة وجافة لا أثر للحياة على سطحها، أو عندما تكون غارقة خلال فصل الخريف أو في أعقابه، فتنقطع القرى المتباعدة عن الدنيا بسبب تدفق السيول من كل حدب وصوب. وقد التقط السيد “جمال محمود إبراهيم” وزير الدولة بمجلس الوزراء الموقر بذكائه المعهود، التقط معرفتنا بالمكان من خلال مداخلة للتعقيب على تقرير الأستاذ “معتز موسى” وزير الموارد المائية والري والكهرباء المقدم أمام اجتماع مجلس الوزراء، تناولت فيه ثلاث نقاط، بعد أن منحني السيد الرئيس الفرصة ضمن ثلاث فرص منحها للإعلاميين. وقد كانت النقطة الأولى عن دور المجتمع في التنمية، لأن دور الحكومة الأساسي يمكن أن نجمله في إنشاء الطرق وتوفير المياه الصحية، وتوفير الكهرباء ومد خطوطها إلى مناطق الإنتاج وإنشاء المدارس التي هي قوام الوعي الإنساني. أما ثانية النقاط فكانت حول ضرورة العمل على إنشاء محطات نووية لإنتاج الكهرباء التي تضمن إنتاجاً عالياً ومستمراً ومستقراً لنا وللأجيال القادمة. والنقطة الثالثة كانت حول ضرورة الحيطة والحذر والتحسبات لأي خلل أمني في المنطقة بعد التغيير الكبير الذي شهدته، بإنشاء إحدى عشر مدينة مكتملة المرافق، مع خمسين مدرسة أساس وخمس وعشرين مدرسة ثانوية (بنين وبنات) وخمسة وعشرين مسجداً وخمس محطات لتنقية المياه، وعددٌ من الأندية مع توفير إمداد كهربائي بدأ بثمانين ميغاوات تنتجها توربينة واحدة هي الأولى من بين أربع توربينات ستدخل الخدمة بالتتابع، ويكتمل في أغسطس القادم لتصبح جملة الإمداد ثلاثمائة وعشرين ميغاوات هي جملة إنتاج الكهرباء التي ستكون إضافة حقيقية ومعتبرة للشبكة القومية. التحول الكبير في المنطقة سيجعلها جاذبة لمواطني بعض دول الجوار المضطرب، خاصة التي تعاني من اضطرابات أمنية أو تلك التي يعاني أهلها من الفقر، وهذا قطعاً سيعمل على تغيير الخريطة السكانية للمنطقة إذا لم يتم التحسب أو التحوط له منذ الآن، والمنطقة تشهد تحولات ضخمة بعد أن توفرت لها مشروعات كبيرة من بينها مشروع استثماري واحد تبلغ مساحته مليون فدان شراكة مع المملكة العربية السعودية.
داخل الاجتماع لم أجد إجابة على تساؤلي الخاص بالمحطات النووية لإنتاج الكهرباء، ولكن بعد الاجتماع قال لي الدكتور “الصادق الهادي المهدي”، إن المحطات النووية هي الحل للأجيال القادمة، بينما أمسك الوزير “معتز موسى” بيدي ونحن ندلف نحو الاستراحة قبيل أداء الصلاة، وقال لي إنه سيتحدث إلي لاحقاً حول المحطات النووية .