رأي

بعد ومسافة

           “غازي صلاح الدين” دقة المفردة وانتقاء العبارة
مصطفى أبو العزائم
     عندما رنّ جرس هاتفي قبيل منتصف الليل بقليل قبل أيام معدودة، رفعته بعينين شبه مغمضتين لكن سرعان ما انتبهتُ عندما قرأت اسم المتصل د.”غازي صلاح الدين” فالاتصالات بيننا شبه نادرة رغم أنها متاحة. ووجود الدكتور “غازي” على ساحات العمل السياسي والعام وسهولة التواصل معه من خلال اللقاءات والندوات المفتوحة أو المغلقة وفر على أصحابه وأصدقائه ومتابعي الشأن العام، مع وجود الدكتور “أسامة توفيق”، حلقة وصل مع كل من يريد التواصل مع “حركة الإصلاح الآن”، وفر عليه وعليهم عناء التواصل الهاتفي، لذلك دهشت من هاتف منتصف الليل ذاك، وقلت بيني وبين نفسي: (إن شاء الله خير).
    رددتُ على الهاتف مرحِّباً بالدكتور “غازي” الذي حاول أن يعتذر للاتصال الليلي المتأخر، فهونت عليه الأمر، فقال لي إنه يريد أن يشكرني على مداخلة لي في إحدى المجموعات (الواتسابية) التي تضمّ عدداً من السياسيين من حاكمين ومعارضين ومفكرين وصحافيين، حاول بعضهم أن ينتقده بسبب مداخلة له في إحدى الندوات التي نظمها مركز دراسات مختص حول رفع العقوبات الأمريكية عن السودان، متحدثاً بصفته رئيساً لقوى المستقبل للتغيير، وقد نُسِبت إليه تصريحات يشير فيها إلى وجود صفقة لرفع العقوبات الأمريكية مقابل تصفية أي مشروع إسلامي أو ثقافي أو اقتصادي.
    حقيقةً إن ما نشر على لسان الدكتور “غازي” ما كان يشبه تصريحاته، وقد رأينا أنه كان في سياقٍ تحليلي يحتمل التفسير والسير في كل الاتجاهات ولم يكن رأياً شخصياً قاطعاً مبنيٌ على معلومات، وقد أثار الحديث المنسوب للدكتور “غازي” ردود أفعال عديدة، وهاجمه كثيرون خاصة من منسوبي المؤتمر الوطني وبعض الحلفاء. وكان أن كتبتُ مداخلةً جاءت نصاً كما يلي: (بمعرفتي القديمة للدكتور “غازي صلاح الدين”، استهجنت التصريح، وقلت بيني وبين نفسي إنه ربما جاءت الفقرات خارجة عن السياق العام، أو مجتزأة .. لكنني وجدتُ التطابق ما بين العنوان وما ورد في متن الخبر ومع ذلك ظل عجبي قائماً .. سبق لي أن أجريت عدة حوارات مع الدكتور “غازي صلاح الدين”، تلفزيونية وصحفية، وهو رجلٌ دقيق في انتقاء المفردة والعبارة بحيث يجيء المعنى المقصود واضحاً دون لبسٍ، وهو أول من ابتدع الحوار عبر الإيميل في السودان حتى تكون إجاباته  مستقاة منه شخصياً).
     وأعربتُ في نهاية المداخلة عن أمنيتي أن تتجه الصحيفة التي نشرت تلك التصريحات المنسوبة له إلى إجراء مقابلة صحفية قصيرة مع الدكتور “غازي” لتخرجه من دائرة التربص التي يحاول البعض إيقاعه فيها ولتخرج الصحيفة نفسها من دوائر الحرج والاعتذار .
    في مساء نفس ذلك اليوم الرابع والعشرين من يناير الحالي عمم الدكتور “غازي صلاح الدين” تعميماً على الصحف، قال فيه إن ما ورد على لسانه عن أن حزمة تخفيف العقوبات الأمريكية هي مقابل لبيع  المشروع أمرٌ غير صحيح، وهو استنطاق خاطئ لمداخلته القصيرة في ندوة أقيمت بمركز التنوير المعرفي، وأن تخفيف العقوبات تطور إيجابي إذا ما تم استثماره لمصلحة مشروع سياسي وطني يشمل الجميع. وقد نشرت معظم الصحف تقريباً ذلك التعميم.
     ما أردناها من التعرض لذلك الموضوع مرة ثانية هو استغلال الخصوم السياسيين لكل كلمة تخرج من فِيهِ من يخاصمونهم سياسياً وتحريفها إلى معانٍ تخرجها عن السياق المعني بما يأتي خصماً من قيمة الخصم السياسي، وهي لعمرنا نوعٌ من أنواع الضرب تحت الحزام، وفيه – للأسف الشديد – تناسٍ لأدوار عظيمة قام بها الخصم المستهدف في مرحلة من مراحل العمل الجماعي أو الموحد، ما كان لمهاجميه أن يمدوا ألسنتهم بقبيح القول تجاهه، وما كان لهم أن يكونوا ما هم عليه الآن لولا أفعال وأقوال ومجاهدات الدكتور “غازي صلاح الدين” وأمثاله من الذين أصبحوا هدفاً لكل معتدٍ أثيم من الجانب الآخر من النهر .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

مشاركة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة المجهر السياسي السودانية