شاهد على الاستقلال.. الشيخ "أبو علي المجذوب" أصغر الحاضرين في جلسة إعلان الاستقلال من داخل البرلمان يحكي لـ(المجهر)
لهذا السبب طلب “الأزهري” من والدي البرلماني سيارته لاستقبال الرئيس المصري “محمد نجيب”
الإنجليز غرّموا الوالد لتحريضه تجار سوق طوكر فتصدى الأهالي لدفعها وحملوه على الأكتاف!
زاره – نجل الدين آدم
“أبو علي مجذوب أبو علي”، أحد القيادات السياسية البارزة بشرق السودان، كان شاهداً على الاستقلال من على شرفة البرلمان في التاسع عشر من ديسمبر من العام 1955م، وكان أصغر الحاضرين حيث حضر إلى الجلسة التاريخية يومها بصحبة والده النائب البرلماني المعروف عن دائرة طوكر “مجذوب أبو علي” المنتمي للحزب الوطني الاتحادي، حيث لم يبلغ عمره يومها الثالثة عشرة.
(المجهر) سجلت له زيارة خاصة بمنزله بحي الواحة، وأدارت معه دردشة عن تفاصيل الجلسة، ومجاهدات والده “المجذوب” بوصفه أبرز قيادات شرق السودان، وكيف أن نواب الشرق كان لهم السبق في رسم بعض من ملامح الاستقلال من خلال أدوارهم الوطنية.. الشيخ “أبو علي” حدثنا عن كواليس الحدث، وأفصح عن معلومات تاريخية تذكر لأول مرة.
{ شيخ “أبو علي” علمت أنك كنت شاهداً على جلسة إعلان الاستقلال وأنت أصغر الحاضرين؟
_ نعم.. حضرت تلك الجلسة التاريخية في 19 ديسمبر 1955، بصحبة والدي وكان من الرأسمالية الوطنية ورئيس حزب الوطني الاتحادي بطوكر، حيث كنت أدرس بمدرسة “كمبوني” بالخرطوم وكان عمري يومها نحو (14) عاماً، وعندما جاء موعد الجلسة قام باصطحابي إلى البرلمان وجلست على الشرفات وتابعت الجلسة.
{ حدثنا عن والدك؟
_ كان زعيم الختمية ورئيس حزب الأشقاء، (الوطني الاتحادي)، لاحقاً، وكان من قيادات الحركة الوطنية وقاوم الإنجليز وله مواقف معروفة في شرق السودان، وكان يحظى بعلاقات جيدة مع الرئيس “الأزهري” وكانت بينهما مكاتبات.. كذلك كانت له صداقة مع الرئيس المصري “محمد نجيب” وكان يزوره في المنزل.
{ تذكر تفاصيل تلك الجلسة؟
_ نعم.. حضر النواب منذ وقت مبكر، وكانت هنالك حالة من الرهبة في وجوه النواب بعد أن علموا بأن الرئيس سيحضر البرلمان، حيث عم الصمت والسكون كل أرجاء القاعة قبل دقائق من دخول “الأزهري”، وما أن دخل حتى بدأت إجراءات الجلسة وكان يرأسها “بابكر عوض الله”، وكان نواب الحزب الحاكم باتجاه والمعارضة في الاتجاه الآخر حيث السيد “محمد أحمد محجوب”، وقد فوجئ بعض النواب رغم أن هنالك إرهاصات بالحدث، إذ لم تكن هذه الإجراءات مدرجة في جدول جلسة ذلك اليوم، وكان هنالك سؤال مقدم من أحد الأعضاء، لكن تحولت الجلسة إلى إجراءات التصويت على الاستقلال.
بدأت بتقديم المقترح من النائب البرلماني عن دائرة نيالا “عبد الرحمن محمد دبكة”، حيث طلب من دولتي الحكم الثنائي منح السودان استقلاله، وتلاه بالتثنية النائب البرلماني من دوائر شمال كردفان “مشاور سهل جمعة”، ومن بعد ذلك صوت النواب بالإجماع على مقترح الاستقلال، وبذلك حسمت الخلافات حول الاستقلال الكامل أو الوحدة مع مصر.
{ ماذا حدث بعد هذا الإعلان التاريخي؟
_ بصورة عفوية خرج النواب من القاعة إلى مبنى وزارة المالية الحالي راجلين، ومعهم الرئيس “الأزهري”، وتجمهرت أعداد كبيرة من المواطنين في تلك اللحظة وساروا مع الموكب من مبنى البرلمان القديم وهو مبنى المجلس التشريعي لولاية الخرطوم حالياً وحتى مبنى وزارة المالية الحالي، ومن أعلى المبنى أطل “الأزهري”، من على الشباك، وخاطب الجمهور.
{ والدك كان زعيماً؟
_ في العام 1940 تم اختيار الوالد رئيساً لحزب الأشقاء، وكان ينسق مع قيادات الحركة الوطنية من حزب الأمة وغيره من الأحزاب والقيادات، وكان أغلب أهل منطقة طوكر ختمية.
وقد تعرض الوالد للسجن وللغرامات، وكان لا يبالي ولا يخشى الإنجليز، وساهم في بناء عدد من الصروح بحُر ماله.
{ تحدثت عن علاقات مميزة للوالد مع الرئيس “الأزهري”؟
_ كانت بينهما علاقة مميزة وقد زار “الأزهري” منطقة طوكر بدعوة من الوالد وأقام ليالي سياسية، وقد كلفه ذلك فرض غرامة من قبل الإنجليز، وكان ذلك في بداية الخمسينيات.. كانت للوالد مقدرة فائقة على القيادة، حيث نفذ بوصفه كبير التجار إضراباً، وقد أغلقوا سوق طوكر تماماً وجمعوا المفاتيح وكان الإنجليزي السيد “روبرت هاو” هو المسؤول الأول وقتها في المنطقة، فلم يجد الإنجليز إلا أن يحاسبوا الوالد “مجذوب” فقرروا له غرامة مالية بتهمة الإخلال بالأمن، والمفاجأة كانت أن الأهالي جمعوا الأموال ودفعوا الغرامة إنابة عنه وحملوه على الأكتاف وطافوا به في المدينة.
{ علاقته بالرئيس المصري “محمد نجيب”؟
_ أذكر في العام 1953، وفي شهر مارس تحديداً، جاء الرئيس “الأزهري” إلى والدي بمنزله في الخرطوم وطلب منه تسليفه عربته لفخامتها حتى يستقبل بها الرئيس المصري “محمد نجيب” للمشاركة في افتتاح دورة البرلمان، لأنهم لا يملكون عربة فخمة في القصر الجمهوري، وعلى الفور وافق الوالد، لكن “الأزهري” استدرك وقال للوالد: أنا أخشى أن يقوم الأنصار بتحطيم السيارة لتوجسهم من هذه الزيارة. فقال له الوالد: فلتكن فداء.
“نجيب” زارنا في طوكر وركب جملاً وطاف على المدينة، وكان يعرف التراث البيجاوي.. كان الوالد يذهب إلى جمهورية مصر سنوياً حيث كان على علاقة مميزة بقياداتها، لكنه بعد العام 1956 لم يسافر إليها.
{ علاقة والدك بالمسؤول المصري في الحكومة الثنائية الصاغ “صلاح سالم”؟
_ الصاغ “صلاح سالم” ولد بمنزلنا في طوكر.
{ موقع شرق السودان من الحركة الوطنية؟
_ أهالي الشرق كان لديهم حراك سياسي كبير، وتفاعلوا مع الحركة الوطنية، حيث كان نواب الشرق على النحو التالي: جبيت وسنكات وريفي كسلا كان “محمد محمود محمد” و”محمد جبارة”، القاش “أبو فاطمة باكاش”، ومن جبيت الشيخ “عمر أبو آمنة”، الشيخ “إبراهيم بلكي” من البحر الأحمر، بورتسودان وسواكن كان النائب “هاشم محمد سعيد”، حلايب حيث الأمرأر والبشاريين كان النائب “محمد كرار كجل”. أما أعضاء مجلس الشيوخ فكانا “عمر أبو آمنة” و”إبراهيم فكي إبراهيم”.. ومن الشخصيات العامة التي كانت لها أدوار وطنية في الاستقلال كان “بامكار محمد عبد الله” و”حمد آدم” من بورتسودان.. ومن الشماليين كان “محمد أحمد النيل” رئيس الحزب الاتحادي ببورتسودان “يحيى القسين” من طوكر، الشيخ “مصطفى أحمد أونور” وهو خالي و”علي محمد سعيد بازرعة”.