أخبار

عيني ما تبكي

ذرف نخبة مختارة من نواب البرلمان الدمع السخي على تخوم ولاية الخرطوم الشرقية حينما استمعوا لروايات المواطنين الذين غشيتهم سلطات الولاية في رابعة النهار الأغر وأشبعت غريزتها في الهدم وسحق البيوت الطينية المتهالكة، بدعوى إزالتها من الوجود لعدم شرعيتها ولتباع الأرض بالدولار ويستبدل فقراء المدينة بأثرياء آخرين يدفعون بالدولار ويزينون وجه المدينة الكئيب بآخر ثري وجميل. وربما بيعت بعض من تلك الأرض لأجانب جميلين بدلاً من هؤلاء البؤساء الأشقياء التعساء المبغوضين من الناس القيافة. نواب البرلمان القومي أنفقوا ما لديهم وكل ما في جعبتهم دموعاً صادقة من نفوس رقيقة ساءها رؤية مناظر فيها من البشاعة ما يجعل القلب السوي ينفطر من هول ما يحدث، كان نواب الشعب في تلك اللحظة التعيسة صادقين مع أنفسهم وهم في حيرتهم
ماذا يفعلون وأياديهم خاوية من مال يمنحونه إلى أولئك الصبية اليافعين الذين يبحلقون في وجوه رجال ونساء هبطوا عليهم في ذلك الصباح، جلودهم ناعمة وثيابهم نظيفة زاهية ومركباتهم غير ونساء البرلمان ترى في وجوههن نعومة من أثر النعمة ونساء الأحياء السكنية التي أزالتها السلطة ترى في وجوههن الفقر والبؤس، ولكن تشع من ثنايا الفقر أضواء تجعل الوجه وجه صحابة وأهل آخرة.
نواب البرلمان بقياده النائب المستقل العسيل القادم من جنوب دارفور مستقلاً عن أي حزب رأى بعينه مأساة ترحيل المواطنين في فصل الخريف الماضي وهدم منازلهم بآليات ولاية الخرطوم التي تتخذ الغلظة والشدة والتعسف وتظهر جبروتها كل يوم، وهي تحارب المظاهر السالبة التي تشمل الذي يخرج في الساعات الأولى من الصباح إلى الأسواق كدحاً إلى ربه لا يمد يده لمال حرام ولا يعرف دهاليز المضاربات ولا نهب البنوك، يفترش الأرض يبيع أي شيء من المسواك إلى السروال أبو تكة ليعيش لكنه في تعريف السلطة مظهر سالب. والمرأة التي تشوي جسدها بنيران المنقد مظهر سالب والذي أذله الفقر أو طرده التمرد من منطقته مظهر سالب واجب الحكومة المقدس تشذيب المدينة من هؤلاء.
ونواب البرلمان حينما خذلتهم دموعهم كانوا صادقين مع أنفسهم ومع مهنتهم لأن مبلغ علمهم وكل ما بيدهم أن يعبروا بصدق عن تضامنهم إنسانياً مع هؤلاء المقهورين، أما عملياً فإن النواب لا سلطة لهم على ولاية الخرطوم ولا قدرة على استدعاء المسؤولين عن تلك الولاية ولا القوة التي تنفذ الإزالة الجبرية، ولأن تلك القوة تملك تفويضاً لا سلطة في الأرض قادرة على كبح جماحها أو مراجعة ما تقوم به في سبيل نظافة المدينة من الأوساخ والقاذورات، حتى لو كانت تلك القاذورات خلقها الله وأكرمها ولكن أذلها الإنسان وقهرها بالفقر والجوع والعرى، ونواب البرلمان الوطني بين حالة غياب ضمير وأداء واجب وفي تلك الحالة على النائب البرلماني التصفيق عالياً حتى يبتسم الوزير الذي يقف أمام النواب، وابتسامة الوزير على صفقة النواب دليل رضاء وارتياح وبالتالي يشيد الوزير بأداء النواب وتفيض تلك الإشادة حسنات في كتابهم. والحالة الثانية هي صحوة الضمير والإحساس بفداحة الظلم الذي يحيق بالرعية وهنا يفيق الضمير من غفوته وتخذله الدموع التي تغسل اللوعة التي في النفوس،
وحينما يصبح النائب البرلماني يبكي مع المواطنين ولا يقوم بواجب مسح وتجفيف دموع المواطنين الذين يبكون تصبح سلطة البرلمان في حكم الغائب، ولما تساقطت دموع النواب على رمال شرق النيل أخذت المروة الناس ونهض الرجال من أهل القرية التي أبكت النواب بمهمة تطييب خواطر النواب وهم يرددون يا إخوانا دي حال الدنيا ما تبكو  معليش نحن والله ما قصدنا شي فقط روينا قصتنا وقصتنا ما بتبكي الرجال الزيكم
هذا شيء من واقع الأطراف في عاصمة بلادنا التي ظلت منذ أن كان السودان دولة واحدة تمارس نفس العادة الساكنة في مخيلة النخب التي تسوس أمرنا، يزيلون منازل الفقراء ليقيموا عليها مجمعات سكنية للأغنياء وفي كل يوم تشكو ولاية الخرطوم من الزحف القادم من الأطراف البعيدة بحثاً عن الخبز الجاف والماء والأمن، ولكن الخرطوم تلفظهم من بيد إلى بيد حتى أبكت نواب البرلمان جهراً ونقلت الصحف خبر البكاء لكنها استحت من صورة الدموع المنهمرة كالسيل في الخريف.

مشاركة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة المجهر السياسي السودانية