بعد.. ومسافة
للكبار فقط..!
مصطفى أبو العزائم
أكاد أن أكون متفرغاً هذه الأيام لثلاثة أعمال تبدو لي في نظري كبيرة، أحدها إعداد دراسة وخطة خاصة بتدريب شباب الصحفيين، وثاني هذه الأعمال يشاركني فيه عدد من الزملاء في مجالات العمل الإعلامي المختلفة، وهو يرتبط بأعمال لجنة استشارية خاصة باحتفالات الصندوق القومي لرعاية الطلاب باليوبيل الفضي للصندوق.. أما ثالث هذه الأعمال فهو شخصي وعام، شخصي لأنه خاص بمراجعة آخر كتاب كتبه السيد الوالد الأستاذ “محمود أبو العزائم” – رحمه الله – عن علاقاته بالصحافة وبعض زملاء المهنة، وقد حمل عنوان (صحافة وصحفيون) ليصبح رصيداً إضافياً لما صدر له من قبل بدءاً من (سحارة الكاشف) و(كنت قريباً منهم) بجزئيه الأول والثاني، وكتاب (.. وكان أبو داؤود).
(صحافة وصحفيون) صدر ضمن إصدارات الخرطوم عاصمة للثقافة العربية عام 2005م، لكنه لم ير النور، إذ حجزناه عمداً بعد تداخل في كثير من الفقرات والصفحات، أخل كثيراً بالمعنى، بل جعل الكثير من الأحداث غير مفهومة أو مترابطة، وقد أوكل السيد الوالد في حياته صديقه وأستاذنا الكبير الدكتور “إبراهيم دقش” لمراجعة الكتاب بمطابقة الأصول بما صدر، ولكن أصول الكتاب ضاعت – فيما يبدو – وتاهت قبل أن تصل إلى يدي أستاذنا الدكتور “دقش” وقد سألته عن ذلك وعرفت أن الأصول ليست بين يديه.
الآن أحتفظ بكل الكم المطبوع من هذا الكتاب، وأخضعه لمراجعة دقيقة بعد القراءة المتأنية والاطلاع الذي يدقق في الأسماء والمفردات والأحداث والتواريخ، اعتماداً على الذاكرة مع التعهد بمراجعة ما يستشكل علينا مع آخرين كانت لهم صلة بتلك الأحداث، أو كانوا من المقربين للسيد الوالد الأستاذ “محمود أبو العزائم” الذين استمعوا لكثير مما ورد في كتابه الأخير، وسيكون أستاذنا “دقش” بالتأكيد هو أحد أكبر المرجعيات، (يعني بالبلدي كده.. سيك سيك معلق فيك).
إذاً الموضوع عام ومتصل بمهنية الصحافة وبجيل كامل من العاملين في بلاط صاحبة الجلالة، مع تسليط الضوء على أحداث كبيرة غيرت مسار التاريخ في بلادنا خلال المشاهدة والمعايشة والقرب من مراكز اتخاذ القرار.
لماذا (للكبار فقط) هو العنوان الذي اخترناه لهذه الزاوية!؟) السبب في اختيارنا لهذا العنوان لم يأتِ من فراغ، إذ أننا نجد الكاتب يذكر زملاءه بالخير الكثير، ويبرز تميز كل منهم في مجال ما، ولا يغيب عليه الإشارة إلى ذكاء الكثيرين منهم، حتى وإن وقعوا في الفخاخ والشراك التي تقود للمحاكم أو السجون، مثلما روى – رحمه الله – ما تعرض له أستاذه وأستاذنا الراحل المقيم “يحيى محمد عبد القادر” من مقلب أصبح أسوأ قضاياه أمام المحاكم عندما اتصل بمدير البوليس – الشرطة – “لويس سدرة” الذي كان يتعاون مع الأستاذ “يحيى محمد عبد القادر” ويمده بالأخبار ويخصه بالأسرار، وقد طلب في ذلك الاتصال أن يمده بالأخبار، إلا أن مدير البوليس اعتذر وقال له إنه في اجتماع خاص بالموقف في الجنوب، لذلك عليه أن يتصل بعد الثانية عشر ظهراً، وقد كان.
يقول الكاتب إنه في تلك الأيام كانت أخطاء الاتصالات كثيرة عندما كانت هذه الخدمة تتبع للهيئة العامة للمواصلات السلكية واللاسلكية، فكان مستقبل المحادثة أحد موظفي وزارة المالية، عرف بالمزاح والمقالب، سأله الأستاذ “يحيى” – السيد “لويس”؟ فأجاب بنعم، وطلب إليه الملامح العامة للموقف في الجنوب، فأخذ ذلك الموظف يسهب ويؤلف ويزيد، والأستاذ “يحيى” يسجل لتصدر صحيفته في اليوم التالي بعناوين مثيرة فتم اعتقاله وأودع الحراسات لعدة أيام.
و.. مع ذلك.. وصفه بالعبقري والفنان الذي يجبر الآخرين على احترامه، وقال عنه إنه كان مهتماً بأسرته كل الاهتمام، كل ما يكسبه كان لها.. ومن ميزاته أنك أينما اتجهت في كل شوارع الخرطوم تجد “يحيى” في ذلك الشارع وهو يسير على قدميه حتى ليحسب الرائي أن بالمدينة أربعون “يحيى محمد عبد القادر” لا “يحيى” واحد.
ثم وصفه بأنه لم يمارس في حياته موبقة واحدة، يؤدي الصلاة في وقتها، لا يدخن ولم يذق الخمرة قط، ولم يجالس الذين يحتسونها، ولا تعرف له أصدقاء لكن الجميع يعرفونه.
كم كان ذلك الجيل عظيماً وكم كان هؤلاء الرجال كباراً.. أقول قولي هذا ونحن نطالع كل يوم الغثاء من سيل السباب والتنابذ بين زملاء المهنة.. وهذه المهنة يجب أن تكون للكبار فقط.