عز الكلام
سوداني جداً جداً!!
أم وضاح
كثير من الخيرين المهمومين بالناس ومشاكلهم وقضاياهم، قابلتهم طوال عملي الصحفي هم من أولئك الذين اختصهم الله بقضاء حوائج الناس من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، هؤلاء كثر وبحمد الله ومجتمعنا السوداني في أصله وحتى فروعه جُبل على التكافل والتعاضد والإحساس بالآخر، لكنني وفي هذا الزخم والحشد (الضاج) بالخيرين (أعزل) من بينهم نقاوة النقاوة، بل هو واحد من أمراء هذا الحشد صدقاً وعفة وشفافية، وذوباناً في مشاكل الناس لدرجة التلاشي. ودعوني أحدثكم عن عم “شجرابي” الذي جاءني ذات صباح يتأبط ملفاً لأحد النزلاء بالسجن الاتحادي وهو بحكم عمله في منظمة النزيل يتابع قضايا النزلاء الخاصة بأحكامهم، بل ويتعدى ذلك إلى دور آخر وقد أصبح لصيقاً بأسرهم بدرجة جعلته أباً وأخاً وصديقاً لهذه الأسر. ويومها أخبرني عم “شجرابي” أنه قد حفيت قدماه لإطلاق سراح عم “عبد الله” المحبوس على ذمة شيك مالي، وكان يحكي قصته بألم جسدته ومثلته تفاصيل وجهه البشوش وكأنه قد تلبس لحظتها جسد وألم عم “عبد الله”. وبالفعل كتبت بعدها زاوية (الرحمة قبل العدل) واستجابت رئاسة الجمهورية وأطلق سراح عمو “عبد الله” والتقيت مع عم “شجرابي” يومها في السجن الاتحادي ونحن ننتظر خروج الرجل الحبيس وكاد “شجرابي” أن يرقص ويقفز فرحاً متجاوزاً إصابة رجله أيام العمليات، جعلته يسير على ثلاثة قدماه وعصاه، ومن يومها ربطتني بعم “شجرابي” صداقة وبنوة جعلته يسرد لي تاريخاً مليئاً بالذكريات وهو مجاهد جاب الشرق والغرب والجنوب مدافعاً عن بلد يعشقه بلا مقابل ولا من، وهو شاعر مدهش ظل يلهب حماس المجاهدين بقصائد هي الآن واحدة من تراث تلك المرحلة ومرجعية لأدب الجهاد، أعتبره واحداً من رواده والرجل هو من كتب جئنا في الله طائعين! وعم “شجرابي” كتب:
نحن الخطوة العزة مسارنا.. ونحن الدائماً توقد نارنا
ونحن الدنيا المال مسكتنا.. ونحن شهيدنا هناك في الجنة
كيف تصوروا وترجع تاني.. يعود البلد البقى رباني ويبقى يهود علماني
والرجل جسده كما “أبى ذر الغفاري” لا يخلو من زخات رائش وظهره كما بطنه مثخن بالجراح وكل ذلك لم يحل في أن يجعله أيضاً مجاهداً في الخير، جعل من منظمة النزيل بيته وداره، لكن وآه من لكن وعم “شجرابي” الذي تقاعد عن العمل بعد بلوغه سن المعاش خرج من عاصفة هموم الناس ليواجه ولوحده عاصفة هموم نفسه، تصوروا أنه يسكن بيتاً بالإيجار لأنه لم يمنح حتى سكن في السكن الشعبي، الرجل لا يطلب قصراً في الرياض أو كافوري أو حي الصفا، هو فقط داير بيت يسكن فيه أولاده النجباء وبناته الشاطرات، وهم على فكرة من النوابغ في مدارسهم، وعم “شجرابي” سعى لإسكان كثيرين ونسي في خضم ذلك أن يدخر لنفسه بيتاً.
ده عيب بلدنا أنك إن لم تكن عندك ضهر أو محسوب أو منتمي لجهة تروح في الرجلين، وهذا هو بالضبط ما حدث لعم “شجرابي” الذي أعطى عمره ودمه ولم يجد شيئاً! لذلك أقول للإخوة المسؤولين بمختلف هذه المسؤوليات هناك رجل سوداني أشهد الله أنه يحمل أخلاق الصحابة والتابعين كرموه حتى لا يستوطنه الغبن والحزن، أمنحوه بيتاً لأنه لو كرم مقابل كل بيت قصيدة ألهب بها الحماس ووطن للقضية لاستحق قصراً منيعاً قبالة النيل. فشكراً عم “شجرابي” وتذكروا هذا الاسم لسوداني لا يحمل أي صفة سوى أنه سوداني جداً، جداً.
{ كلمة عزيزة
والله ينقهر قلبي على بلدي وأشعر بالحزن لهذا البلد ولمواطنيه العمالقة الذين للأسف أقعدتهم وأخرتهم أفعال الصغار وأقزام السياسة المليئة بطونهم ورويانة عروقهم، لذلك لا يستعجلون وفاقاً سياسياً يجعل هذا البلد يخرج من محبسه ويكسر قيوده للأبد، البلد محتاجة أن تتسارع قطارات الساسة وتقفز متجاوزة كثيراً من المحطات ليلتقي الجميع في خط النهاية سلاماً وأمناً ووفرة، لكن الحاصل أمر مخزي ومخجل وحزب الأمة يا دوب مشغول بمعاركه الداخلية يفصل هذا ويوجه الاتهام لذاك، الحزب الاتحادي مشغول بورشة مصالحة بين “الحسن الميرغني” وتيار أم بدة تخيلوا هذه هي الأحزاب التي يفترض أن تجعل وثيقة الحوار الوطني واقعاً مفروضاً يمشي بين الناس، والله ليه الحق المؤتمر الوطني يلعب بيكم (كمبلت).
{ كلمة أعز
بس لشنو ورشة الاتحاديين في “القاهرة” يعني ما ممكن “الحسن الميرغني” ده يلاقي ناس (أم بدة) مقصراً المسافة مثلاً في حي بيت المال التعويضات، غايتو الله يعوضنا!!