(المجهر) تفتح ملف الغائبين الذين خرجوا ولم يعودوا.. أين هم؟
“أحمد ضو البيت” بعد (12) سنة من الغياب والدته تفقد بصرها بكاءً وتموت حسرة
اختفاء مريب لـ”سوزان آدم محمود” الطالبة بجامعة السودان منذ العام 2009م
الخرطوم ـــ أمل أبو القاسم
{ أم “أحمد” الحاجة “بخيتة ضو البيت”
“بخيتة ضو البيت” امرأة من قبيلة الأحامدة تزوجها “ضو البيت آدم ضو البيت” فأنجبت له “مهدي”، “نعمة”، “أحمد و”فاطمة”. كانت امرأة حكيمة ودودة رحيمة، أبانت تجلداً وصبراً منذ اختفى ابنها “أحمد” في العام 2004م وظلت تكتم أحزانها، وعندما تغلبها، تتغلب عليها بدمع ثخين تذرفه خفية في الظلام، في دار زوجها الكائن بمربع (34) بمدينة كوستي جوار (ملتقى عيسى).. لم تود أن تنقل أحزانها لأسرتها المكلومة بالغياب غير أن الحزن يقلِق وَالتجمل يردَع.. وَالدّمع بينهما عصِي طيّع.. يتنازعان دموع عين مسهدة.
بعد مرور ستة أعوام على غياب “أحمد ضو البيت” فقدت الحاجة “بخيتة” جلدها وعيل صبرها وبدأت تذكر ابنها وتبكي، وبعد ذلك بأربعة أعوام أخرى أي في العام 2014م فقدت الحاجة “بخيتة” بصرها، ولم تحزن على هذا الفقد إلا عندما تتذكر أنها لن ترى “أحمد” إن عاد ولن تروي أشواقها إلا باللمس والشم، ومن بعد أبت الأسقام إلا أن تحل بجسدها المكتوي بلظى الفقد. بيد أن المفجع حقاً وما يفاقم وجعة المتلقين حد سد الغصة للحلوق هو أنه وقبل أيام قلائل فارقت الحياة أسوة بمفارقتها فلذة كبدها لاثنتي عشرة سنة متصلة.
{ أستاذي وزميلي وصديقي
يقول “العباسي”: (حكى لنا المهندس الزراعي “بشرى الطيب رُغمة الله” أحد زملاء الدراسة والأصدقاء المقربين للمفقود “أحمد ضو البيت” أنه عندما ذهب برفقة بعض الأصدقاء للعزاء في ـ الحاجة “بخيتة” ـ على حد تعبيره ـ نهض كل من كان في صيوان العزاء ـ حال أن علموا أن هؤلاء هم أصدقاء “أحمد”، بمن فيهم والده الذي كان يعمل بالأعمال التجارية البسيطة بين سنار وكوستي حتى أصيب بعاهة في يده اليمنى وتقاعد، وكذا شقيقه “شيخ مهدي” الذي اتخذ الزهد طريقاً له في الحياة مستعصماً بمجمع الشيخ “الخوجلابي” بكوستي. موجات كثيفة من الأحزان والأشجان ولجت معنا إلى ذلك الصيوان، فقد تجددت في هذا اليوم الحزين ذكرى “أحمد” الذي يرفض جلهم فكرة موته). كان “أحمد” ـ الحديث ما يزال للمهندس “بشرى الطيب”ـ تجمعه بوالدته علاقة عميقة فقد كانت ـ عليها الرحمة ـ لا تمنعه ولا تعترض على ما يقوم به في مجال الفكر والسياسة، وبدوره كان ينقل أفكاره لها بخطاب مفهوم ويشرح لها ببساطة كاشفاً عن مكنوناته بشخصية متزنة لا اضطراب فيها ولا ازدواجية.
{ بداية العلاقة
واستطرد “بشرى الطيب” في حكيه عن ذكرياته مع الغائب فقال: (في الثانوي جيت من البلد وكنت بقرأ في مدارس العروبة الثانوية، هنالك تعرفت بأستاذ اللغة الإنجليزية شاب أنيق ومثقف ـ عرفت أنه عمل معلماً للغة الإنجليزية وهو لا يزال طالباً بجامعة أم درمان الأهلية ثم أسس لاحقاً كلية لندن للغات ـ نشأت بيننا علاقة وطيدة بحكم زمالته لابن خالي “عبد الناصر عوض فضيل”، بعد دخولي لكلية الدراسات الزراعية وانضمامي لمؤتمر الطلاب المستقلين تزاملنا فيها وجمعتنا المنتديات والورش والأركان والعمل داخل الجامعات حتى سكنا معاً بمنزلنا بالعزوزاب لفترة ليست قصيرة. كنا نهتف ونغني للسلام ومعنا الصديق “عبد الله عبد الباقي علقم” (عبود)، وفي تلك الأيام كانت نقطة لقائنا في محل أقمته بسوق الشهداء بأم درمان (وادي السيليكون للإنترنت)، وفي واحدة من الليالي ونحن نتسامر على كوب من القهوة قال إنه يريد السفر للمناقل بغرض القراءة والاستجمام، وقرر السفر صبيحة اليوم التالي وبعدها لم يره أحد قط لا في الخرطوم ولا المناقل حتى يومنا هذا. أذكر أنه في ذلك اليوم كان حزيناً بسبب عدم إجازة مسلسل (سنوات الضمور) الذي كتبه وتحدث فيه عن أجيال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات وبسبب مضايقة السلطات له).
وهل آب إلى حيِّ عنزة القارظانِ
وقال القانوني والأديب الأستاذ “أسعد الطيب العباسي” إن اختفاء الأستاذ “أحمد ضو البيت” كان صدمة لكل أصدقائه ومعارفه نسبة لما كان يمثله من صدق في المواقف وقوة في الطرح ونظرة ثاقبة لمجمل مشاكل بلادنا، ولم يتزحزح عن مواقفه رغم تعرضه للاعتقال. كرس “أحمد” حياته لقضايا التغيير الاجتماعي (مشروع مواجهة بدونة المجتمع السوداني) قضايا الجندر، وقضايا العنصرية، والاستعلاء الثقافي، والمناهج التعليمية، وقبول الآخر. والدته في سنواتها الأخيرة كانت تردد: (أحمد بجي راجع). سألناه: ما رأيك أنت أستاذ “بشرى” هل سيعود “أحمد”؟ فقال: “أحمد” عودنا الغياب الذي كان يمتد في بعض الأحيان لعدة شهور، فقد كان يعتكف للقراءة والتأليف في أماكن عدة نجهل بعضها رغم أنه كان يسكن في الغالب بالجريف بمنزل “علي أحمد حاج الأمين” ويقيم أحياناً بمنزل عمته بالفتيحاب فهو لم يكن متزوجاً. لم ترد على سؤالنا يا “بشرى” هل سيعود أحمد؟ أتمنى ذلك ولكن.. (صمت وعبرة خانقة).. ولكن ماذا؟ من خلف دموعه قال: وهل آب إلى حي عنزة القارظان..؟!
{ “أحمد” لم يغادر السودان
تركنا “بشرى” إلى دموعه.. وزاد “العباسي”: وسألنا الأستاذ “الصادق ضو البيت برير” موظف يعمل بالمحاسبة في القطاع الخاص عن ملابسات اختفاء ابن عمه “أحمد ضو البيت” فقال لا أريد أن أتحدث كثيراً ولكني أقول إن “أحمد” ليس ابن عمي فحسب، فقد كان زميل دراسة أيضاً، وأشهد أنه كان مناضلاً وخطيباً مفوهاً ما عرضه للمضايقات والاعتقال. في الأيام التي اختفى فيها كان يقطن في منزل عمتنا بالفتيحاب، خرج من المنزل بطريقة عادية كما كان يفعل في كل يوم، لم يحدد وجهته ولم يعد للمنزل بعد ذلك، فتم فتح بلاغ حول اختفائه.. لم نجده في المستشفيات، ولا في أي مكان يمكن أن يكون فيه.. ولم نيأس، ولن نيأس، وسنظل نبحث عنه، وحسب تحرياتنا وتحريات الأسرة عرفنا أنه طيلة الفترة الممتدة من العام 2004 إلى العام 2015م لم يغادر السودان لا بالمطار ولا بأي منفذ آخر، لأننا كنا نعلم منه أنه كان يخطط للسفر إلى إمارة دُبي عن طريق فيزا مهرجان التسوق، لذا فـ”أحمد” إن كان ميتاً أو حياً فهو في السودان.
{ “سوزان”.. وجه آخر من الغياب
بطريقة لا تخلو من غرابة اختفت الطالبة الجامعية “سوزان آدم علي محمود”، وهي ليست ناشطة ولا سياسية، فقط طالبة وديعة هادئة بريئة، حد أن والدتها لا تنفك توصيها على نفسها من كل ما من شأنه أن يؤذيها، وحد أن شقيقها وشقيقتها بالجامعة كانا ينتظرانها ريثما تنهي محاضراتها كي يرافقانها عند العودة. ومع ذلك وربما لذات البساطة التي تتمتع بها اختفت بصورة مريبة.
{ وصايا لم تعصمها
وحسب والدة “سوزان” المعلمة بمدارس الأساس بمدينة “ربك” ولاية النيل الأبيض “حواء محمد بشير” ومن بين دموعها والغصة التي تحبس الكلمات في حلقها أحياناً قالت لـ(المجهر) إن ابنتها ذات الـ(21) ربيعاً التي كانت تدرس بجامعة السودان خرجت في يوم 15/1/ 2009م من منزل خالتها الذي تقيم فيه، وقبلها كانت معنا في ربك تحركت الجمعة 8/10/ للجامعة وقبيل ذلك بيوم ذهبت للأستوديو من أجل إعداد صور للسنة الجديدة ثم حزمت أمتعتها وسافرت. وأضافت: (ولأن سوزان “مسكينة” وهادئة لم أنفك أوصيها، سيما فيما يعنى بمحيط الجامعة فقد نبهتها لعدم الرد على أي رقم تلفون لا تعرفه، وأن لا تركب مع أي صاحب سيارة حتى إن دعتها زميلاتها لذلك، وهي التزمت بذلك ومن نفسها كانت خوافة).
واستطردت الوالدة في حكيها عن ابنتها “سوزان” بقولها: (أذكر يوم ضربة خليل إبراهيم من شدة خوفها أخذت المسافة ما بين الجامعة وسوق ليبيا جرياً على رجليها ومنها إلى منزل خالتها راجلة ما تسبب لها في ورم وتقرحات عرضت على إثرها على الأطباء وغابت بسببها أسبوعا عن الجامعة. وكانت لا تخرج من الجامعة إلا برفقة أحد أشقائها الذين يدرسون في كليات أخرى قريبة منها، وعندما يتغيبون ترافق زميلتها حتى سوق ليبيا ثم تفترقان هناك).
{ تفاصيل ليلة اختفاء سوزان
وعن يوم الاختفاء قالت الوالدة لـ(المجهر) إنها وكعادتها خرجت إلى الجامعة وكان من عاداتها إن تأخرت أو أرادت التأخير لأي سبب تتصل بمنزل خالتها وتخبرهم، لكن في ذلك اليوم تجاوزت عقارب الساعة موعد أوبتها وكانت خالتها بمناسبة خارج المنزل وعندما عادت ولم تجدها سألت بلهفة عنها فقيل إنها لم تعد، فاستنفرتهم بسرعة وكان بالمنزل أعمامها وأخوالها وبنو خالاتها، وأول ما قاموا به هو محاولة الاتصال بها لكن تذكروا أن تلفونها به عطل وقد تركته بالمنزل، فقاموا بنزع الشريحة وإدخالها في جوال آخر للحصول على رقم زميلتها التي ترافقها في العودة فكان ردها صادماً بأنهما وصلتا حتى سوق ليبيا معاً ثم افترقتا لتركب كل منهما المركبة التي تقلها إلى وجهتها ولا تعرف عنها بعد افتراقهما شيئاً.
{ بحث بلا فائدة
بعد ذلك وحسب والدتها.. ذهبوا يبحثون عنها في كل مكان يمكن أن تكون فيه، حتى الجامعة، ثم قاموا بفتح بلاغ في عدد من الأقسام، مبينة أن زوج أختها في قسم الأوسط وأولادهم معظمهم يتبعون للشرطة، فأبلغوا عدداً من الأماكن وعملوا نشرة عمموها على المداخل والمخارج، وجابوا كل المشافي والمشارح بلا فائدة.. وأضافت: (سمعنا كثيراً من الأقاويل المتفرقة هنا وهناك لكن ثقتي في ابنتي كبيرة).
وختمت حديثها بالتضرع إلى الله تعالى أن يجمعها بها بعد غياب دام سبع سنوات مرت ثقيلة ولا يمر يوم إلا هي وأولادها يجترون ذكرياتهم، ولا يمر يوم دون أن تنزل منهم دمعة ألم ووجع على ابنتهم التي أضناهم غيابها، دون أن تكون هناك بارقة أمل تلوح في الأفق، وضبابية تخيم على المشهد.. فلأي وبأي سبب اختفت “سوزان”؟ هل ثمة أيدٍ خفية وراء اختفائها؟ متمنين من الله أن يكون في نشر قصتها سبب لظهورها أو من يدل عليها رغم أنه سبق وتم نشر قصتها في (الدار) وقت اختفائها.
ولفتت والدة “سوزان” إلى أن بعينها اليمنى (صرة) تظهر أحياناً، وذلك على خلفية خدش في العدسة، وأجريت على إثره عملية جراحية.