تقارير

قصة معلم اللغة الإنجليزية (العربجي)!!

} وقف رئيس شعبة اللغة الإنجليزية بمدرسة الدبيبات الثانوية في الطريق العام تحت هجير شمس أبريل الحارقة ينتظر في موقف البصات.. يحدق في القادمين من الخرطوم أو المتجهين إلى الغرب الأقصى.. سعى ولعل وليت أن يحصل على مشوار قصير على دابته.. ولا تذهبن بك الظنون ويجول بخاطرك أن أستاذ اللغة الإنجليزية خريج جامعة البصرة الذي أمضى في حقل التعليم (15) عاماً يركب سيارة كورية أو ركشة هندية حصل عليها من مرابحات بنكية أو قروض من بنوك الأسرة والادخار.. الأستاذ «المهدي عبد الله داوود» يمتطي عربة (كارو).. حمار أشقر.. عربة صغيرة تجوب سوق المدينة وأحياءها الفقيرة.. لم يجد «المهدي عبد الله داوود» غير أكواب من شعر (صلاح أخو فاطنة) الذي غضب وزمجر في وجه رياح الهبباي.. و«المهدي» أستاذ اللغة الإنجليزية يقف شامخاً يقرأ أبيات عن «باتريس لوممبا» الشهيد الذي خانه (البلجيكيون):
هل سمعتم آخر الليل وقد ران على الناس الوسن
وهل سمعتم سنة السكين في متن المسن
ورأيتم ضاوياً عان وحيد
عاري المنكب في رسغيه أنياب الحديد
آخر الليل غفا
والجراح الفاغرات الشدق عضت كل شبر في البدن
هدأ الأحياء إلاها وقد ران على الناس الوسن..
الأستاذ «المهدي» بعيداً في خلوته النفسية، يقرأ لنفسه أبياتاً من شعر الحداثة، وشيئاً من شعر الإنجليز القديم، وقليلاً من أدب المقاومة، وكثيراً ما أخذته ذكريات بغداد وحزب البعث العربي الاشتراكي و«محمد المهدي الجواهري».. ومن حوله سياسيون نصف مثقفين وتجار ارتقى بهم (الجنيه) مقاماً لا يستحقونه.. والمعلم والأستاذ حينما يصبح (عربجياً) في السوق يخرج منذ الصباح إلى السوق وسط (العتالة) في مخازن البنك الزراعي.. وبائعات الشاي في المقاهي.. لكن أستاذ «المهدي» يحمل في جيبه كتاباً عن إشكالية التدين والسياسة في تونس وأزمة مشروع التحديث وظهور حركة النهضة للكاتب «أبو اللوز عبد الحكيم».. يقرأ في محطات انتظار الزبائن وتحميل الحمالين عربته لينطلق في المدينة.. لا يضرب حماره، بل يرفق به في أنس وحميمية، لأن نفس الشاعر ترفق بالفراشات قبل الدواب.. التقيت الأستاذ «المهدي عبد الله داوود» في بغداد عاصمة الرشيد قبل نحو (20) عاماً في جامعة البصرة (يسامر) فتاة فلسطينية من حيفا.. ويقرأ الشعر في ليالي بغداد الدافئة، ويحلم بعراق منتصر على الولايات المتحدة الأمريكية.. والتقيته في وطنه ومسقط رأسه ومرتع صباه معلماً للأجيال.. واثق الخطى يمشي، يعمل بعد الدوام الرسمي (عربجياً) من أجل لقمة عيش شريفة ونظيفة.. يعتذر أحياناً لطلابه وطالباته حينما يدعوه أحدهم (سيد الكارو تعال)، ويكتشف أن (سيد الكارو) ما هو إلا أستاذ اللغة الانجليزية.. يطأطئ التلميذ رأسه إحساساً بقهر داخلي في نفسه وينتابه شعور غامض بأنه قد يجد في واقع أستاذه مستقبله.. و«سعاد عبد الرازق» وزيرة التربية تضطرب في قراراتها ما بين إضافة عام لمرحلة الأساس لتصبح (9) سنوات، وحينما تهب عليها رياح النقد العارم والرفض الواسع، تلوذ الوزيرة بتوصيات لجنة تربوية أقرت في جامعة بخت الرضا قبل عامين عودة المرحلة المتوسطة، وبعث هذا التقرير من مرقده القديم لإنقاذ الوزيرة والحكومة من عاصفة نقد علني لسياسات تربوية.. ولو اتسع صدر الحكومة للرأي والرأي الآخر منذ سنوات ولم تقمع الرأي بسلطة الدولة وبطشها، لما تعرضت العملية التربوية والتعليمية في بلادنا لهذا الاضطراب، والفوضى والانهيار حتى قرار الليل يمحوه قرار النهار.. وزيادة مرحلة الأساس عاماً آخر لتصبح (9) سنوات خطوة وقرار تنكص عنه الحكومة بعد أسبوع وتبعث بالمرحلة المتوسطة التي تم إلغاؤها من قبل من مرقدها القديم، قبل أن تعتذر الحكومة لشعبها الذي أوسعته حلقاً للرؤوس تجريباً وتعليماً لأنها على يقين أن هذا الشعب (يتيم) بلا أب وأمه مشغولة بصناعة الشاي في الأسواق لتطعمه من الجوع.. أما الخوف فقد سكن الدواخل وأقام بها، والوجه الآخر لمأساة التعليم في بلادنا واقع المعلم الذي يرزح تحت وطأة الحاجة وشظف العيش.. وحالة الأستاذ «المهدي عبد الله داوود» الذي اشتهر بلقب (صدام) وتفاصيل ما جاء على لسانه، تجسد حالة وطن ومعلم ومنهج ودولة.. يقول الأستاذ «مهدي»: (أنا خريج جامعة البصرة في العراق.. تخصصي لغة إنجليزية.. دراستي الجامعية كانت بفضل الشهيد صدام حسين وحزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان يمنح الطلاب من الأقطار العربية منحاً دراسية مجانية عبر الملحقيات الثقافية وفروع حزب البعث العربي الاشتراكي.. عدت من العراق لوطني والتحقت بالمدارس الثانوية قبل (15) عاماً.. أنا الآن رئيس شعبة اللغة الإنجليزية بالمدرسة الثانوية الدبيبات.. بعد اليوم الدراسي أتوجه في فصل الخريف إلى مزرعتي من الساعة الثالثة ظهراً وحتى مغيب الشمس مثل سائر أقراني من المعلمين الذين يزرعون الأرض لتنبت فولاً وكركديه وبطيخاً وذرة.. وبعد شهور الخريف أعمل (عربجياً) في السوق.. أجوب بهذا (الكارو) أطراف المدينة، أبحث عن الرزق الحلال بعد أن أصبحت مهنة التدريس وحدها لا تفي باحتياجات أسرتي الصغيرة.. وأنا فخور، وفي زهو وكبرياء أقود (حماري) وأعيش بكرامة وعزة.. عرق جبين وخدمة ضراع.. تتنازعني مشاعر شتى.. حينما يطلب أحد تلاميذي أو تلميذاتي مشواراً لحمل أمتعة.. أو بضائع ويجد أستاذه الذي يدرسه اللغة الإنجليزية هو (العربجي) يشعر الطالب بوخز الضمير، وأحياناً يعتذر لي بلطف وحياء وأدب.. وأنا أشعر بمرارة الفقر المذل، وأتذكر شرف العمل، وأحاول أن أغرس في زبائني قيمة العمل.. أنا أقرأ لـ»أدونيس» في حلي وترحالي وأحفظ مئات أبيات الشعر لـ»بدر شاكر السياب».. و(أدندن) في خلوتي بأشيائي الخاصة.. وفخور بمهنتي كمعلم يكدح لينال أجره بعرق جبينه حلالاً طيباً).. يقول الأستاذ «المهدي عبد الله داوود»: (إذا كانت حالتي تجسيداً لواقع المعلمين في الريف، فإن إصلاح واقع التعليم يبدأ أولاً بالمعلم!!
} إذا كانت وزيرة التربية والتعليم «سعاد عبد الرازق» تسعى لتغيير واقع التعليم، فإن المعلم عندما تقهره الظروف وتحمله على ظهر عربات (الكارو) بحثاً عن الرزق الحلال، فإن أولى خطوات التغيير تبدأ به، ولم يلجأ الأستاذ «المهدي عبد الله داوود» ليعمل (عربجياً) إلا بسبب ضعف العائد المادي لمهنة التدريس والفوارق الكبيرة بين المعلمين في الخرطوم والولايات.. في الخرطوم الامتيازات والمدارس الخاصة والكورسات والحوافز التشجيعية، وفي الولايات حالة الأستاذ «المهدي» تمثل نموذجاً لواقع التعليم في بلادنا!
ليس مطلوباً الآن عودة المرحلة المتوسطة فقط، ولكن متى تعود للأستاذ حقوقه التي سلبت وكرامته التي داس عليها الفقر بكلتا قديمه.. والسياسات التعليمية للسنوات الماضية ساهمت بقدر في الاحتقانات السياسية والاحتجاجات، حيث أصبحت كليات الهندسة، والطب والاقتصاد (حكراً) على الخرطوم ومدارسها الغنية والمدارس الخاصة.. ونتائج امتحانات الشهادة السودانية للأعوام الماضية تكشف عن خلل كبير في العملية التعليمية.. هناك ولايات لعدة سنوات لم ينافس منها طالب واحد في كليات الطب أو الهندسة بسبب اضطراب الدراسة في تلك الولايات والتمرد والفقر، وانشغال المعلمين بالزراعة، والتلاميذ بالرعي، والتلميذات بمساعدة الأمهات في زراعة (الجبايرك).. فكيف يتم إصلاح واقع التعليم يا «سعاد عبد الرازق»؟؟
} الحركة الشعبية والجنجويد
} ما أن تخسر الحركة الشعبية معركة أو تتعرض قواتها لضربة موجعة حتى تهرول باكية.. وفي الأسبوع الماضي حينما كانت الحركة الشعبية تقف متعنتة رافضة لتقديم أي تنازلات في طاولة التفاوض، بدأت المرحلة الثانية من عمليات الصيف الساخن، واقتحمت قوات التدخل السريع منطقة (عبري) القريبة من (دلامي) واستولت قوات التدخل السريع على (عبري) وخسرت الحركة الشعبية منطقة مهمة جداً تمثل المدخل الشمالي لـ(هيبان) و(دري) و(الأزرق)، وهذه المناطق تتخذها الحركة الشعبية مقار حصينة لها!! وقبل تحرير (عبري) بثلاثة أيام قامت قوات الحركة الشعبية بالهجوم على قرية (كوكاية) غرب (دلامي)، و(كوكاية) هي مسقط رأس اثنين من قيادات الإنقاذ والمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية بجبال النوبة أولهما «النور كبسور أبو صليب» والثاني البروفيسور «خميس كجو كندة» وعاثت الحركة الشعبية فساداً في المنطقة، ولم تهرول الحكومة باكية وتلطم الخدود وتشق الجيوب كما فعل الأخ «مبارك عبد الرحمن أردول» الناطق الرسمي باسم الحركة الشعبية الذي قال كذباً عن القوة التي هاجمت منطقة (عبري) من مليشيات الجنجويد الدارفورية.. ولكن الحقيقة التي يعلمها قادة الحركة الشعبية أن قوات التدخل السريع التي تخوض غمار معركة الصيف الساخن الآن في جبال النوبة يشكل أبناء جنوب كردفان (80%) منها.. ويشكل أبناء (البرام) و(طروجي) و(كادوقلي) (50%) من هذه القوات ضباطاً وجنوداً وضباط صف.. وتجربة قوات التدخل السريع التي حققت نجاحاً كبيراً في المرحلة الأولى من عمليات الصيف الساخن ودخلت من خلالها هذه القوات مناطق الريف الغربي لمحلية الدلنج في كل من (كجورية) و(تندية) و(سلارا)، وهزمت قوات العدل والمساواة التي كان يقودها «ود البليل» في (طروجي) و(الدار).. الآن بدأت المرحلة الثانية من عمليات الصيف لكسر شوكة التمرد وتأمين المدن والمشاريع الزراعية والطرق القومية، وخلال عمليات الصيف الحالية ستواجه الحركة موقفاً صعباً جداً بعد رفضها لكل نداءات السلام ووضعها المتاريس في وجه التفاوض، ومحاولة فرض شروطها، ولكن قوات التدخل السريع التي وصلت الآن إلى جنوب كردفان ستبلغ مقاصدها في قلب المنطقة.. ومثلما استطاعت عمليات القوات المسلحة القضاء على التمرد في الجبال الشرقية والسيطرة عليها، فإن قوات التدخل السريع وليست مليشيات الجنجويد ستكتب نهاية تهديد التمرد للأمن في جنوب كردفان، والعمليات الحالية ينفذها أبناء جنوب كردفان من المجاهدين، لذلك وجدت القوات عند عبورها من كوستي حتى الدبيبات استقبالات حاشدة من الأهالي ونحرت لها الخراف والعجول في محلية الدبيبات، واستقبلتها النساء بالزغاريد لحاجة المنطقة لقوة عسكرية تقهر التمرد.
ولكن محاولة إلصاق سلوك الجنجويد بهذه القوات القومية ما هي إلا ذريعة العاجز عن المواجهة، وخلال الأيام القادمة وقبل انعقاد الجولة القادمة من المفاوضات، فإن أنباء سعيدة سيبثها السيد «الصوارمي خالد سعد».. وقوات التدخل السريع تتجه نحو (هيبان) و(كاودة)، والتمرد يتجمع في (أم سردبة) ليلقى حتفه الأخير، بعد أن طغى وتجبر ورفض كل التنازلات التي قدمت إليه.

مشاركة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة المجهر السياسي السودانية