بعد ومسافة
مصطفى أبو العزائم
أنا أعارض إذاً أنا موجود..!
أبو الفلسفة الحديثة الفرنسي “رينيه ديكارت” – 1596- 1650م- صاحب كتاب
(تأملات في الفلسفة الأولى) الصادر في 1641م الذي ما زال يشكل نصاً
قياسياً لمعظم كليات الفلسفة في العالم، له مقولة شهيرة هي: (أنا أفكر
إذاً أنا موجود)، ونحن في يومنا هذا نرجو أن نستعير العبارة مع تعديل
لكلمة واحدة فتصبح (أنا أعارض إذاً أنا موجود)، ونرجو من السادة
الفلاسفة ومحبي الفلسفة ودارسيها و(المتفلسفين) أن يأذنوا لنا بذلك لأن
ذلك يفسّر لنا مواقف بعض من (يمتهنون) السياسة، ويشتغلون بها، ويتخذونها
أساساً لكسب العيش، حيث لا يتمتعون بأي إمكانيات أو مؤهلات أو رغبة في
عمل حر أو خاص خارج دوائر السياسة، والتي يحتاج كثيرون منهم إلى أن
يلتحقون بسلكها من مرحلة (الروضة)!.
بعض المعارضين وحملة السلاح- لا نقول كلهم- يعارضون ويحملون السلاح
لإرضاء نزعات في دواخلهم، يحاولون التأكيد من خلالها على أهميتهم وأهمية
أدوارهم في الحياة، على اعتبار أن ذلك أصبح هو الطريق المفْضِي إلى
الثروة والسلطة، وفي ظنهم أن السياسة تجارة لن تبور طالما أنهم لا يدفعون
قيمة (البضاعة) ولا يتحملون ثمنها الباهظ الذي لا يقل عن الدم، فهناك
دائماً استغلال بشع لحاجة بعض الشباب الذين يعانون من الفقر والبطالة
و(التهميش المناطقي)، فيعمل أولئك الساسة البؤساء على استغلال أوضاع
أولئك الشباب واللعب على أوتار ظروفهم القاسية، وينمّون في دواخلهم كراهية
الآخر الذي سلب حقوقهم وتمتع بها وحرمهم من كل شيء.. وليت ذلك الآخر كان هو السلطة ونظام الحكم لأنه أن كان كذلك لهان الأمر، لكن (الآخر) هو (كل
من هم غيرك) هو كل من خالفك في الرأي أو المعتقد أو العرق أو العنصر،
لذلك نمت الكراهية في الدواخل، وحمل الشباب السلاح ليس في مواجهة السلطة
والحكومة، بل حملوه في مواجهة الدولة بكل مكوناتها، وحملوه ضد مجتمعهم
الكبير وضد مجتمعهم المحلي.
ترملت النساء، وتيتم الأطفال وتشرد الآلاف، ونزحوا من قراهم و(حلّالهم)
و(فُرْقانهم) ومناطقهم، وصعب عليهم كسب أنفسهم ولم يعد أمام بعضهم إلا أن
يلتحقوا بقوافل الموت التي يقودها أولئك الذين تاجروا بقضايا مناطقهم
وأهلهم، وهم أبعد الناس عنهم وعن قضاياهم.
أخذ قادة قوافل الموت يديرون معاركهم من خلف القلاع والسواتر، ويعملون
على استقطاب الأطفال والصبية والشباب ليكونوا وقوداً لنار حربهم اللعينة،
وامتدت الحرب إلى مقاطعة كل سبيل يؤدي إلى إيقاف قطار الموت، ويعمل على إرساء قواعد السلام.. لذلك غابوا عن مؤتمر الحوار الوطني، وقاطعوه ظناً
منهم أن الأرض لن تهتز تحت أقدامهم، ولكن هيهات فإن الأرض آخذة في
الاهتزاز تحت أقدام داعميهم الأساس في دولة جنوب السودان، والغرب الذين
كان يدعم ومن ورائه “واشنطن” أخذ يضغط من أجل إيقاف الحرب ومن أجل إرساء قواعد السلام.
قال قائل منهم قبل أيام قليلة أنهم لم يلتحقوا بالسلام، لأن حكومة الخرطوم
غير جادة، إذ لابد من إطلاق سراح كل المحكومين والمعتقلين السياسيين قبل
أي حوار إبداء لحسن النوايا، فتأمل هذا المنطق (!)
قبل فترة أصدر السيد رئيس الجمهورية المشير “عمر حسن أحمد البشير” قراراً
حمل الرقم (864) لسنة 2016م بإطلاق سراح (21) طفلاً ممن تم إلقاء القبض
عليهم في معركة “قوز دنقو” وكانوا ضمن مقاتلي حركة العدل والمساواة، مع
العفو عنهم وتسليمهم لذويهم بعد استيفاء الإجراءات القانونية المتبعة في
مثل هذه الحالات، حيث يتم التنسيق مع مفوضية نزع السلاح والتسريح وإعادة
الدمج.. وقد كان من بين أولئك الأطفال الأسرى (7) حالات مصابة بالدرن،
وقد توفى أحدهم نتيجة تأخر حالته الصحية لحظة القبض عليه.
تجار السياسة وسدنة الظلم وسماسرة الموت الذين يعملون وفق قاعدة الذهب
مقابل الدم، عرضوا هؤلاء الأطفال والصبية والقُصّر لأبشع أنواع الاستغلال
فإن استخدموهم دروعاً بشرية في الأعمال العسكرية وكانوا ضحايا للتجنيد
القسري، مثلما يحدث في بعض المناطق التي تهاجمها قوات الحركة الشعبية في
جنوب كردفان أو النيل الأزرق.
قرار العفو عن الأطفال لم يكن هو الأول فقد سبقه قرار صدر عام 2008م
بالعفو عن (98) طفلاً ممن شاركوا في صفوف حركة العدل والمساواة يوم هجومها على أم درمان، واتضح أنهم أرغموا على القتال، بل تم تقييد بعضهم بالسلاسل على ظهور العربات حتى لا يفروا أو يتمكنوا من الهرب.
قادة بعض الحركات المسلحة المتمردة بعد صدور وثيقة الحوار الوطني، لم يعد
لديهم حجة للممانعة أو مواصلة الحوار، حتى ولو على مسار “أديس أبابا”
الذي ترعاه الآلية الأفريقية ممثلة للاتحاد الأفريقي.. ولم يعد منطقٌ
لمواصلة حمل السلاح فقد شارك على مدى عامين أكثر من تسعين حزباً سياسياً
وخمس وثلاثين حركة مسلحة وكل منظمات المجتمع المدني، شاركوا في اجتماعات متصلة ومستمرة، اختلفوا واتفقوا، وهدد بعضهم بالانسحاب، لكنهم تراضوا في آخر الأمر على وثيقة وطنية تصبح أساساً لدستور يكفل الحريات ويساوي بين الناس.. لكن البعض لا يريد سلاماً لبلادنا، إما لضيق الأفق السياسي- وهذا مؤكد- وإما لأنهم يعتقدون أن تجارة الموت مربحة.. ولن تبور.