تقارير

بعد الدم والجوع والدموع: آل ياسر يشاهدون تعلية سد الروصيرص

كانت ليلة رأس السنة بالدمازين عادية وهادئة، نامت المدينة كالمعتاد عند العاشرة مساء ومرت الساعتان الأخيرتان من العام 2012م مثل أي ساعتين بالتوقيت العادي، ثمة نور بقالة ومطعم وبعض المارة وسهر بسيط من بعض النوافذ، وجاءت السنة الجديدة 2013م والناس نيام، وحتى الإجراءات الأمنية والتحوطات لزيارة الرئيس صباح (الثلاثاء) هي الأخرى بدون مظاهر واضحة، وعلى أية حال تم تجهيز كل صغيرة وكبيرة بخصوص افتتاح تعلية خزان الروصيرص التي بدأ العمل فيها في 2008م.
تهيأت المدينة من الدمازين للروصيرص وتجمع عدد غفير قبالة السد وتحت عيون عموم الناس للرئيسين “البشير” وشيخ “علي حسن” والوزراء ووجهاء المجتمع والضيوف رفيعي المستوى من الصناديق العربية، وكانت طائرات الجيش تحلق باستمرار والشرطة منتشرة بكثافة في مكان الحدث وفي الخلاء والأزقة، وعربات التنسيق والحرس الجمهوري وقوة بشرية مقدرة من وحدة السدود.
بدأ البرنامج في الحادية عشرة والنصف وافتتح الرئيس التربينة، وتحدث المهندس المقيم “خضر قسم السيد” للرئيس في كابينة التشغيل الأول قائلاً له وللناس أجمعين ستزيد الكهرباء المولدة بنسبة (50%) ما يعادل إضافة (600) ميقاوات وستزيد إنتاجها من (1200) لتصبح (1800) ميقاوات، ستوفر (1000) طن من السمك بزيادة (70%) وتم تهجير وتسكين (22) ألف أسرة بجميع الخدمات مدارس، مزارع، كهرباء، مياه نظيفة وطرق.
وتخلل كلام مهندس “خضر” صوت “كابلي” بلغة بارعة من منظمي الاحتفالية يغني (أي صوت من مغانيك الحسان ثائراً لم يدر ما معنى الهوان، خالداً كالمجد في قلب الزمان، ذاخراً كالبحر).
وفي لحظة تاريخية نادرة انتفض بركان أبيض من المياه المتدافعة كالجبال وحلقت آلاف من الطيور البيضاء من داخل البحيرة وأصبحت بهدير الماء حية وتحت شمس الظهيرة لمعت جباه آلاف من “آل ياسر” يشاهدون تشغيل التربينة بهدير الماء بعد الجوع والدم والدموع عهداً جديداً يتبدى.
وعلا شأن الوطن في لحظة نادرة تجدها في حنجرة “وردي” كلما غنى للوطن (اليوم نرفع راية استقلالنا) وبصورة أوضح يتجلى الوطن في شعر “صلاح أحمد إبراهيم” وكأنه يعني الدمازين في ظهيرة النصر المؤزر لو أسمع في سوق (الاثنين) صوت الغربان ورغاء بعير وسط الضأن .
وكانت وحدة تنفيذ السدود تعيد إنتاج ذلك الافتخار (كم فتى في مكة يشبه حمزة) كانوا أبطالاً بعيدين عن السياسة ومفرداتها المكرورة وكانت أغنية “زكي عبد الكريم” (حلاة بلدي) تدخل كل فؤاد ينظر لهدير الماء بأنه الأمل الخاص بشراء كارو جديد وإضافة غرفة وختان الأنجال وشراء حصان وحمار وسفر مؤجل لعلاج المرض المزمن.
وعلى طريقة أولئك الناس العزاز ثمة أنوف تدق السماء الشرقي من وحي الدنيا الجديدة “كابلي” يغني، وعلي المك يؤكد أن افتتاح تعلية خزان الروصيرص تأخر (45) عاماً.
سألتني أن أحدثك عن بلدي
لوني شاحب
ليس في سيرتي ما يخجل
الحق أنها أسيانة
وأنها مجهدة
تلك هي ولاية النيل الأزرق صابرة كل هذا الزمن، وها هو التعويض الرهيب كل الصناديق العربية حضرت الاحتفال وشاهدت أموالها مثمرة في المكان السليم والزمن المناسب، “عبد الوهاب أحمد البدر” مدير الصندوق الكويتي و”إبراهيم البسام” نائب مدير الصندوق السعودي للتنمية بـ(40) ألف دولار، (150) مليون ريال سعودي، و”فؤاد البسام” ممثل الأوبك للتنمية الدولية و”أحمد محمد” من بنك التنمية الإسلامي بجدة بـ(137) مليون دولار، وصندوق أبوظبي.
كلهم شاهدوا فرحة “آل ياسر” ملتزمين بدعم إقامة وإنشاء السدود في أي مكان آخر، وخاطبوا الرئيس بتفاؤل زائد جاءت كلمة وزير الكهرباء “أسامة عبد الله محمد الحسن” مختصرة مبتدئاً بالآية (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) وأعاد التباشير بمليون فدان إضافية وتم التوقيع على حفر ترعتي كنانة والرهد للمرحلة الأولى بواسطة مدير شركة “إستيك” و”الحضري” لتنفيذ العمل بأسرع ما يمكن.
وتحدث اللواء “الهادي بشرى” قائلاً بكسر شوكة التمرد وطي صفحتها وكانت المنصة من فوق السد تستوعب خارطة الدمازين بذلك الاحتواء. وأكد معتمد الدمازين أن كل شيء على مستوى التنفيذ (تمام التمام) وقال مدير (ccmb) الصيني: (نفتخر بهذا العمل الكبير).
وتم تكريم عدد مقدر من الضيوف كما توج “أسامة عبد الله” بقلادة الكفاح المستمر وسام النيلين من الطبقة الأولى، بينما ناله “الحضري” من الدرجة الثانية.
وكانت لحظات مهمة، سكت فيها صوت الميكرفون وتلفتت الجماهير قبالة هدير الماء وكان الأفق مليئاً بالطيور والبالونات وعلى المنصة كاميرات تسجل كل خفقة من دهاليز الحدث لكي يسجل ويوثق للتاريخ، للمجد والإنسان دعوة لاقتصاد وطني مستقر.
كلمة الرئيس:
ترجل الرئيس “البشير” ومشى على البساط الأحمر لتكريم أهل الإنجاز بعد أن تلا البيان الجمهوري “بكري حسن صالح” وزير رئاسة الجمهورية بعد أن تم اختياره نائباً للأمين العام للحركة الإسلامية.
تراوحت الكلمة من (15 إلى 17) دقيقة ذكر فيها عزة وكرامة أهل السودان وأنهم يستحقون أكثر من ذلك، وبدون لحن وقف على أغنية “ود اليمني” بمقاطع مختارة (وا أسفي لو ما كنت سوداني وأهل الحارة ما أهلي). كما دعا حركات التمرد للجلوس للاتفاق لأن الوطن كبير يسع الجميع، مؤكداً أن القوات المسلحة الباسلة أكملت تحرير النيل الأزرق وقال إنهم لن يتأخروا في حسم أي متمرد وخارج على القانون، وأعاد الدعوة لحركات التمرد المسلحة والأحزاب السياسية للجلوس للتوافق حول دستور السودان الدائم لإكمال الرؤى حول كيف يحكم السودان.
الجدير ذكره أمر الرئيس قبل مخاطبة الجماهير بتحويل المنصة المتجهة بعض الشيء نحو المقصورة ليتم تعديلها مباشرة نحو الجماهير مما جعل كثيراً من أصحاب الكاميرات حيارى للتعامل مع هذه المفاجأة بعد أن تعاملوا مع وجهة المنصة حسب ما رسمه القائمون على الاحتفال..
وبسرعة تفرقت الجموع لمواصلة أعمالهم اليومية والعادية الرعاة وراء أبقارهم وأطفال المدارس في الشوارع والشرطة واقفة في مكانها تحت شجرة أو زقاق أو أعلى جبل أو في وسط السوق ما زالت تمسك الزناد بعيون حمراء سيما وأن إشاعة قيل فيها إن الرئيس سيبقى يوماً آخر لافتتاح عدد من المنشآت ومخاطبة أهل الدمازين مرة أخرى في الاستاد لختام دورة تحفيظ القرآن الكريم.
وعادت الحياة لطبيعتها يترقبون خيرات هذا اليوم الكبير وكأن همسهم وتجمعاتهم العفوية وعيونهم قبالة المسؤولين داخل البصات السياحية تقول إن غداً لناظره قريب ولم يتبق من الكأس سوى ذلك القدر.

مشاركة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة المجهر السياسي السودانية