الترجمة.. هذا المشروع المشكلة!!
حينما بدأت إرهاصاتها الأولى في المنطقة العربية، جوبهت بسلطة اجتماعية قوية، سعت إلى قفل الباب أمامها بدعوى أنها مفتاح الخطيئة ومهد (الاختلاط) المعرفي الذي يحمل معه رياح الغزو الفكري التي من شأنها اقتلاع الجذور والعبث بالثوابت، ورغم ذلك فقد تسللت (الترجمة) بحياء وعلى مضض إلى أن فرضت نفسها انطلاقاً من كونها وسيطاً حضارياً للتعرف على أفكار الشعوب الأخرى غير الناطقة بلغة الضاد.
ورغم تسارع وتيرة الترجمة في المنطقة العربية إلا أنها ما زالت تعاني العديد من الصعوبات والإشكاليات سواء على صعيد (الانتقاء) لما هو مترجم أو على صعيد (التقنية) للترجمة في حد ذاتها. وهاتان العقبتان في الواقع لم تسلما بدورهما من أثر نظرة الماضي الرافضة للترجمة رغم (الانفتاح الفكري) الذي أصبح فرضية من فرضيات العولمة وحوار الحضارات، وهو ما ترك بشكل أو آخر ظلاله على الترجمة التي ما زالت تدور رحاها ضمن أنساق فردية تفتقد إلى المؤسسية، ليس من اللغات الأخرى إلى العربية فحسب، وإنما يشتغل بشكل جدي في اتجاه ترجمة ما هو مكتوب باللغة العربية إلى اللغات الأخرى أيضاً.
وإذا كانت عقبة (الانتقاء) لما هو مترجم أوجدت صراعاً ما بين ما هو (علمي) وما هو (أدبي) فانتشرت الانتقائية في هذين الاتجاهين، فإن عقبة (التقنية) في الواقع تكاد أن تكون أوقع أثراً من حيث إشكاليتها وصعوبتها خاصة في ظل الحديث عن مبدأ عام يفيد بأن فعل الترجمة هو فعل (خائن)، بمعنى أنه يصعب تحقيقه بشكل أمين متكامل، ومع ذلك فهناك قدر من (الشفافية) يمكن أن يتحقق للترجمة في حالة تطوير آلية (التقنية) والاتفاق على صيغ جديدة لمجاراة الاصطلاحات الجديدة الطارئة على اللغات الأخرى، ومحاولة إيجاد المعادل الموضوعي اللغوي لها، وهو الجزء الفارغ حتى الآن من موكب الترجمة الذي لا يمكن أن يمتلئ إلا بتضافر جهود مؤسساتية ضخمة تمتلك الصلاحية والجاهزية لهذه التعبئة اللغوية اللازمة.
ولعل الدعوة المدوية لمشروعات (التعريب) في المؤسسات الأكاديمية للكثير من العلوم التي تدرس باللغات الأجنبية، ورغم أنها دعوة لا تدخل في صميم مهمة الترجمة وأهدافها، لكنها ربما مدخل من المداخل التي يمكن أن نعول عليها إلى حد كبير في تنشيط ذاكرة الترجمة العربية ضمن اشتغالها العام بهذا الجانب. ذلك أن الترجمة في حد ذاتها إنما هي معادلات وخيارات مفتوحة لانتقاء رؤية تصلح على الأقل للوصول إلى ما يشبه الإجماع على الدوال اللغوية المترجمة التي هي دائماً مبعث الإشكال الحقيقي على صعيد (التقنية).
وإذا كانت الترجمة الأدبية تعاني من القدرة على تعميق أجواء اللغة المنقول منها وإتقان دقة التعبير عنها باللغة الأخرى، فإن ذات المعاناة تتصل بالترجمة العلمية، حين نعلم أن هناك بعض الاصطلاحات ربما لا يوجد ما يعادلها في لغة أو أخرى، مما يضطر القائمين على أمر الترجمة إلى نقل المصطلح كما هو، وفي أحسن الأحوال ترجمته ترجمة (صوتية) فقط إلى اللغة المراد نقله إليها، وبما يقتضي المزيد من الجهد المضاعف لاحتواء إشكاليات الترجمة وضمن (المؤسساتية) التي ما زالت الدعوة إلى إشهارها قائمة وبشكل قوي وجاد.
إن الاكتفاء برهان أهل أية لغة على أنها لغة موسوعية وشمولية وإحاطية لا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع إلا ضمن شروط (تطبيقية) واضحة. ولكي يكسب أهل أية لغة في عالمنا هذا (الرهان)، لابد من مناقشة جدية وصريحة وأمينة لمدى تحقق هذه المواصفات عبر الإخضاع الفعلي لمعطياتها وضمن ممارسة عملية تستكمل النواقص وتسعى في اتجاه التطوير وليس مجرد إطلاق الرهان. كما أن التقدم والتطور الحضاري لأية أمة هو الذي يمنح اللغة الزخم ويضعها في مرتبة تصدير الاصطلاحات العلمية والأدبية، لذلك فاللغة دائماً هي وسيلة أكثر من كونها غاية، كما أنها تظل مرهونة بما يغذيها من معطيات جديدة ومتجددة.. وكل ذلك يعيد الكرة إلى ملعب المجتمعات الحضارية نفسها ومدى قدرتها على الدفع بلغتها إلى الأمام، كما أنه في ذات الوقت يضع حلولاً جذرية لمشاكل الترجمة وتداعياتها المعقدة.