أخبار

خربشات (الجمعة)

تم اختيار يوم الزفاف.. ووجهت الدعوات للأصدقاء والمعارف من جهة أسرة الصول والد “تهاني” ومن جهة أسرة “كوكو أبو جلحة” الذي ينتمي إلى النوبة المورو أحد أشهر المجموعات الثقافية لقبيلة النوبة، وأكثرها تمرساً في القتال ويشتهرون بعزف الموسيقى، ويقول بعض الخبراء: إن مارشات القوات المسلحة الوطنية جميعها مستوحاة من الموسيقى النوبية التقليدية.. في ذلك اليوم تجمَّع الشباب في منزل العريس بعد سهرة الحنة التي غاب عنها زملاء العريس في الجيش الشعبي وتبدت على ملامح ابنة خالته “سكينة”، أنه يذكر وفاة والدته المأساوية، حينما ضربت (الطرنقاعة)، أي الصاعقة الكهربائية مع نزول المطر، منزل الأسرة.. وقال عمه “كرنديس”: إن “حماد” تأثر بغياب زملائه وخاصة كبار قادة الجيش الشعبي عن زفافه لأسباب غير معلومة.. وفي منزل “تهاني” كانت السهرة بمطربة ذات صوت شجي جاءت بها أخواتها القادمات من مدني والأبيض من كوستي وتدعي “حنان كوستي”، امرأة تجاوزت الأربعين عاماً، ولكنها تقاوم تقدم السن باستخدام مبيِّض الوجه.. وشدِّه.. وتجيد الغناء الشعبي الذي يمجِّد أصحاب الأموال والعسكريين.. وترقص “حنان كوستي” بطريقة تجعل الشباب يطلقون الصيحات و(الصفافير)، بينما الفتيات في مرح، وقد سهرت الأسرة حتى الساعات الأولى من الصباح.. لتنهض النساء من كبار السن بضرب الطبول (القيدومة) تعبيراً عن الحفاظ على إرث قبيلة الرواوقة التي تنقسم إلى بطون عديدة مثل: أولاد نوبة والديلامية ودار جامع والشواينة وخصائصهم الثقافية واحدة وتجمعهم بالنوبة أواصر الدم والتعايش لسنوات طويلة، بينما العريس “حماد” الذي ينتمي لعشيرة “المورو” التي تقطن مناطق أم دورين واللبَّو وكورراك وتقطن جزءاً من عشيرته، أيضاً مناطق أم جبر الله والرجفي وكركرابة واللوبص والهبيل وجنقل، و”حماد”، ينحدر من بطن “المورو أندري” التي تقطن أم سردبة وكركرة والغمور وأبو هشيم، ويقول بعض رواة التاريخ إن “المورو” اتحاد لمجموعات عرقية عديدة.. ولكنهم جميعاً تعرضوا للتهميش وضعف التنمية واستغلال حكومات السودان ما بعد الاستقلال لهم وتسخيرهم لخدمتها دون تقديم شيء لهم.
(2)
وضعت الحناء على أطراف العريس.. الذي أصر عمه على حمل (حربة) قديمة قيل إنها الحربة التي قتل بها مفتش البرام الأغريقي “يوسف بطرس” على يد البطل “تيما كوكون” حينما تم ضبط المفتش في حالة تلبس مع شقيقة “تيما” التي كانت تعمل في خدمة الأغريقي.. وحافظت العشيرة على (الحربة)، وإذا تزوَّج فارس من فرسان العشيرة يحملها ويهز فوق رؤوس الحسان. وحينما تسلَّم حربة الأسلاف القديمة.. رددت عمته بعض الأشعار النوبية القديمة.
كارونقا.. تغولي أوكا
نامينما أتو كردنق..
تارا ماسو.. كلمو..
وضحك الشباب على تلك الكلمات غير المألوفة، حيث أصبح أغلب الفئات العمرية دون الثلاثين عاماً، وخاصة الذين ولدوا في المدن بالإقليم وخارجه من الفاقد الثقافي للنوبة.. يتحدثون العربية والإنجليزية ولا يأبهون كثيراً للغة الأم والأب.. وفي حملتها الانتخابية حرضت الحركة الشعبية على إحياء اللغات النوبية وعمدت على مخاطبة قواعدها بتلك اللغات للحفاظ من جهة على أسرار خطابها من الاختراق.. وإحياء الثقافات القديمة، لكن الفنان الذي كان يغني..
الزهور والورد الشتلوه جوه قلبي
عشان حبيبي تذكاره ديمه عندي
حبيبي يعلم ذكراه خالدة عندي
طيف جمالو متى أنت غبت عني
ثم افترقنا وكأني ما كأني
وهناك ترقص الفتيات المردوع والنقارة والدرملي والفرح يبسط ذراعيه في بيت “حماد” وقد اقترب موعد الزفاف.. والرحيل من غرب مدينة كادقلي إلى شرقها، وقد أعد أصدقاء العريس عربة صغيرة لتحمله وعروسته ليلاً إلى الأبيض لقضاء شهر العسل بالخرطوم.. والشمس قد تدنو من المغيب.. والزغاريد تفوح برائحة ليلة العمر.
(3)
حاولت لجنة وساطة وفدت من الخرطوم يقودها أعضاء حكوميين من المؤتمر الوطني والحركة الشعبية التي مثلها الأمين العام “ياسر عرمان” و”مالك عقار” رئيسها ووالي النيل الأزرق الذي فاز على مرشح المؤتمر الوطني.. وسط إرهاصات بتنازل الوطني (تحت تحت) عن المنصب ثمناً للسلام والاستقرار وحقنا للدماء، ومثل الجنوب نائب مدير جهاز الأمن اللواء “مجاك”.. ومن المؤتمر الوطني المفاوضون الذين صنعوا ربيع نيفاشا.. اللواء “يحيى حسين” ود.”مطرف صديق” و”محمد مختار الحسين” إضافة إلى الوالي “أحمد هارون”.. في ذلك اليوم توغل “عبد العزيز آدم الحلو” غرب مدينة كادقلي واتخذ من المنطقة الواقعة قرب (تافيرا) حيث ترابط قوات الجيش الشعبي في المعسكر الذي يتبع لمنظمة الدعوة الإسلامية، وقد تلقى أغلب المدنيين من أعضاء تنظيم الحركة الإسلامية التدريبات العسكرية في ذلك المعسكر الريفي البعيد من عيون المدينة والسلطة.. وبعد وصول الإسلاميين إلى الحكم أداروا ظهرهم لمنظمة الدعوة الإسلامية التي حملتهم إلى السلطة.. وخصص ذلك المعهد مقراً لقوات الحركة الشعبية.. ووجدت تلك الخطوة نقداً من “كبي الغزالي” أحد أشهر قادة الإسلاميين من أبناء النوبة.. ولم تفلح محاولات إعادة “الحلو” لكادقلي مرة أخرى.. ولكن الطرفين وقعا على بيان تهدئة والتزام بنصوص اتفاقية السلام وبروتوكول المنطقتين.. وقبل مغيب الشمس بقليل خيم على مدينة كادقلي الحزن  والترقب والحذر وبعض الناس استنشقوا رائحة الموت.. وقد شهدت المدينة منذ الصباح وصول تعزيزات عسكرية دبابات كبيرة.. الحجم.. تم إنزالها في قلب المدينة.. واتجهت بعضها إلى مقر قيادة الجيش جنوب المدينة، وانتشرت أخرى في الشوارع.. وفي منزل الصول جاء  رموز الحي.. وإمام المسجد.. وخطيبه لحضور عقد قران “تهاني” وسط أفراح طاغية.. رقص الشباب النقارة.. والمردوع.. والجميع ينتظرون قدوم أهل العريس لإكمال مراسم الزواج.. وتسلَّم المأذون “الفكي أبكر” مسبقاً رسوم عقد الزواج.. و”الفكي أبكر” تبدت عليه آثار الثراء والنعمة.. حيث ارتفع رسم الزواج من أربعين جنيهاً، إلى مائة جنيه.. وحينما يسأله الناس عن أسباب الارتفاع الجنوني في سعر قسيمة الزواج فـ”الفكي أبكر” يعلل ذلك بارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني، وأن كل شيء في السوق أصبح غالياً لماذا الزواج وحده؟.. وتحت الحاجة لورقة المأذون الشرعي يذعن أولياء أمور الأزواج لشروط الفقيه “أبكر” الذي يحدد موعد العقد طبقاً لجدول أعماله اليومية.. وحتى نلتقي.

مشاركة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة المجهر السياسي السودانية