رأي

بعد ومسافة

شيخ “إبراهيم” أسطورة الخير وفعله
مصطفى أبو العزائم

الشيخ الدكتور “إبراهيم الطيب الريح” سوداني صميم، ولد بمدينة رفاعة ونشأ وتربى في أم درمان وكأنما جاءت الأقدار على هواه عندما التحق بكلية غردون التذكارية في الخرطوم، إذ تحوَّلت الكلية إلى أم درمان التي أحبها بسبب ظروف الحرب، وانتقلت إلى مباني مدرسة أم درمان الأميرية الوسطى، وهي قريبة من منازل أسرة الشيخ الدكتور “إبراهيم الطيب الريح” وعمه العلم والرمز الشيخ “البشير الريح” الذي تزوَّج شيخ إبراهيم لاحقاً من ابنته وأنجب منها أبناؤه “أمين” و”الهادي” و”أسعد” و”مأمون” و”الطيب” وشقيقتهما، ليشكل ركيزة اجتماعية وأسرية عظيمة داخل أسرته الكبيرة إلى جانب أشقائه وأبناء عمومته والأقربين.
نعى الناعي قبل أيام قليلة هذا الرجل الفاضل الذي اختاره الله سبحانه وتعالى إلى جواره بعد عمر طويل مديد مقترن بالطاعات وعمل الخير امتد حتى تجاوز التسعين بثلاث أو أربع سنوات، كان خلالها نعم الرجل ونعم الأب ونعم المواطن الذي يعتز به أهل وطنه بعد أن أصبح رمزاً للمواطن الصالح داخل بلاده وخارجها بعد أن التحق بعمه الشيخ “البشير الريح” في نيجيريا التي هاجر إليها عمه القاضي الشرعي الشيخ “البشير الريح” وباشر هناك عمله التجاري، وقد فتح الله عليه ورزقه من المال ورفعة الشأن ما لم يتوفر إلا لقلة خارج حدود وطنها.
وكانت هجرته تلك في النصف الأول من أربعينيات القرن الماضي، كما روى لي هو نفسه أكثر من مرة، ومن خلال حوارات صحفية وتلفزيونية أجرتها معه بدايات هذه الألفية، التي تشرَّفت خلالها بمعرفته والاقتراب من شخصيته الأقرب إلى الأسطورة.
كانت بلادنا تعاني من نقص حاد في ماكينات غسيل الكلى، وقد عانى مرضى الفشل الكلوي الأمرين جراء ذلك النقص، والتففنا نحن مجموعة من المهتمين بالعمل الطوعي حول الدكتور الإنسان “خليفة العوض الحسن” استشاري أمراض وجراحة الكلى، وكان وقتها مديراً للمركز القومي لزراعة وجراحة الأعضاء، داخل مباني مستشفى “ابن سينا” بالخرطوم،  وتحركنا في عدة اتجاهات من بينها الاتصال بالمجلس القومي السوداني في بريطانيا وشمال إيرلندا، وكان يرأسه الشيخ الدكتور “إبراهيم الطيب الريح” الذي لم تكتحل عيناي برؤيته حتى ذلك الحين، ولم أتشرف بلقائه، وكان المجلس يداوم على ابتعاث وفود طبية متخصصة قوامها أطباء سودانيون ممن يعملون بالمملكة المتحدة، خاصة من مستشفيات لندن. إلى السودان مرة أو أكثر، كل عام في مختلف التخصصات، وقد تم التواصل معهم في شأن ماكينات غسيل الكلى، فكانت المفاجآت أن تسلمنا في وقت وجيز اثني عشرة ماكينة لغسيل الكلى هدية من الشيخ الدكتور “إبراهيم الطيب” شخصياً لأهله في السودان، أصبحت هي الدفعة الأولى لأخريات جئن تباعاً مع تكلفة بتكلفة عمليات نقل وزراعة الكلى لغير المستطيعين على يد الجراح البارع الدكتور “كمال أبو سن” وتم خلال فترات متقاربة إجراء أكثر من مائة عملية نقل وزراعة كلى.
عرفت الشيخ الدكتور “إبراهيم الطيب الريح” بعد ذلك عن قرب، وكان أن التقينا لأول مرة في منزل السفير “علي نميري” وكان صديقنا وزميلنا الأستاذ “إمام محمد إمام” يقيم في لندن، ويشغل متطوعاً منصب الأمين العام للمجلس السوداني القومي في بريطانيا وشمال أيرلندا، وتوالت اللقاءات، وامتد عطاء الشيخ الإنساني إلى نيجيريا التي أقام فيها أكثر من ستين عاماً، وتشرفت بدعوته لي ضمن طاقم سوداني طبي وصحفي لتوطين زراعة الكلى في نيجيريا وتحديداً في مدينة “كانو” وداخل مشفاها العريق “أمينو كانو” وشهدنا أول عمليات لنقل زراعة الكلى هناك تحت إشراف مباشر من وزير الصحة الإقليمي وقتها الدكتور “والي”.
رحلتنا تلك وقفنا خلالها على تخريج إحدى دفعات معهد الشيخ “إبراهيم الطيب” لتعليم اللغة العربية والدراسات الإسلامية الذي أنشأه الشيخ هناك، ويضم أكثر من خمسمائة دارس، وكان من بين أعضاء وفدنا ذاك في رحلتنا الأولى البروفيسور “يوسف الخليفة أبو بكر” والراحل الأستاذ “الزهاوي إبراهيم مالك” والدكتور “معز حسن بخيت” وفريق تلفزيوني قاده المخرج الراحل “عيسى تيراب” الذي توفي بعد أعوام قليلة بذات المرض – رحمه الله – ووقف على أمر الوفد صديقنا “البخاري” أحد قادة الجالية السودانية في نيجيريا.
كل الأبواب كانت مفتوحة أمامنا ونحن في معية الشيخ الدكتور “إبراهيم الطيب” فقد زرنا “أمير كانو” و”أمير زاريا” وقابلنا الرئيس “أبو سانجو” الذي تأخر من رحلة خارجية ليستقبلنا في القصر الرئاسي بالعاصمة “أبوجا”.
رحل الشيخ “إبراهيم الطيب الريح” الذي كرَّمته جامعة الخرطوم بدرجة الدكتوراة الفخرية، والدولة بأعلى الأوسمة، لكنه سيبقى بيننا أنموذجاً للخير ومثالاً للبر وأسطورة تسطع أعماله بين السودان ونيجيريا وبريطانيا.. والحديث عن الرجل طويل، ونتمنى لو أن تلفزيون السودان أعاد بث تلك الحلقات التي صوِّرت من نيجيريا مرة ومرات.
اللهم ارحم الشيخ “إبراهيم الطيب” واغفر له واعف عنه وأدخله فسيح جناتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
آمين.

مشاركة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة المجهر السياسي السودانية