الدكتور عمار مرغني ، وزير الإرشاد، وقراره المثير للجدل بمنع الحديث الديني في الأسواق، في حوار مع المجهر
أنا (ختمي) وصوفي وأتشرف بذلك لكنني أعي قومية الوزارة
حلقات الأسواق كادت تتسبب في حروب وخلَّفت (80) بين قتيل ومصاب
أنا خرجت من رحم الدعوة وأستطيع النظر للقرار من منظور شرعي
القرار دستوري وقانوني وهو من صميم اختصاصات الوزارة وتم بمشاورة واسعة
الفتنة الحقيقية هي في استمرار الدعوة بهذه الطريقة التي تعمد على التكفير والإساءة للقامات
القرار دخل حيز التنفيذ والغالبية مناصرة له
الحلقات الدينية المقامة بالأسواق والأماكن العامة كان الناس يمرون بها دون أن تثير كبير اهتمام بين الناس، ماعدا الفريقان المتنازعان حول الموقف منها بين ناغم عليها حد الغبن والرفض القاطع، وآخر حريص على استمرارها، ولكن قرار وزير الإرشاد والأوقاف الدكتور “عمار ميرغني” بوقف الحديث الديني في الأسواق العامة صوَّب الأنظار تجاه هذه الحلقات، خاصةً وأنه منتمي لإحدى الجماعات الدينية المناوئة لحلقات الأسواق، فتفجر جدلاً كثيفاً حول القرار ومدى دستوريته وقانونيته ومواءمته لأحكام الشريعة، ما جعل كثيرين تعلو أصواتهم رافضة للقرار ، الأمر الذي دفع رئاسة الجمهورية للتدخل في محاولة لتقريب المسافات بين معسكري التأييد والرفض.
(المجهر) سعت لاستجلاء الأمر مع الوزير، فكان هذا الحوار
حوار: عقيل أحمد ناعم
#قرارك الأخير بمنع الأحاديث الدينية أثار كثيراً من ردود الفعل..ما هي الدواعي الحقيقية التي دفعتكم لإصداره؟
*هناك دواعٍ شرعية بحتة استند إليها القرار، ويجب أن يعلم الناس أني خرجت من رحم الدعوة وبوسعي أن أنظر للأمر نظرة شرعية.فالأحاديث في الأسواق والأماكن العامة يُقرأ فيها القرءان ولا يُستمع له ولا يتأدب لسماعه ما يُضيِّع على الناس قدسية هذا الكتاب، فقد أصبح الأدب مع القرءان ممتهن، والشريعة حثت على التأدب مع كلام الله.وأنا قد اطلعت على فتاوى كثيرة تؤكد على تجنب قراءة القرءان في أماكن الضجيج والصخب.والأسواق ليست بالأصالة محل لتناول الخطاب الديني .
ثانياً ، القواعد الفقهية الواسعة التي تؤكد على سد الذرائع ورفع الضرر وحفظ الأعراض والأنفس، وإذا نظرنا لهذه الحلقات في الأسواق نجد أن فيها انتهاك للأعراض وفيها يتم تكفير أناس بأسمائهم ويُشنع عليهم، هذا ضرب من الانتهاك للأعراض وإلحاق الضرر بهم والحط من كرامتهم.
# لكن كثير من المتحفظين على القرار يرون أنه أوقف واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المأمور به شرعاً؟
*هناك فرقاً بين الخطاب الديني بهذا الشكل وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى السوق وعندما وجد رجلاً يضع التمر الجيد في الأعلى ويخفي الفاسد أسفل الوعاء، نهاه النبي عن هذا الفعل وقال له: (من غشنا فليس منا)، وهذا من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس من باب الدروس التي نراها الآن في الأسواق.كذلك هناك آداب لطلب الحديث النبوي فقد كان الأئمة إذا أرادوا قراءة الحديث تأدبوا ولبسوا وتعطروا وتوقروا، ومعلوم أن الأسواق بصخبها غير صالحة للحديث الديني.والأمر الآن خرج عن إطاره الأصلي، فما عاد حديثاً دينياً أو دروساً، فإنك تجد فرقة تشنع على أخرى وتقدح فيها فتأتي هذه لترد عليها وهكذا دواليك، لتصبح سلسلة من الخطب والأحاديث لا يستطيع الإنسان البسيط أن يصول فيها للحق، ومن أين لنا أنه سيحصل على علم حقيقي ومعلومات حقيقية؟ فهذا المتحدث قد لا تتوفر فيه الأهلية للتحدث والإفتاء في أمر الدين وقد يكون غير معروف ومجهول الهوية
وبخلاف هذا فإنه حتى قانون البيئة يتحدث عن التلوث السمعي ويعتبره مخالفة يجوز الاحتكام فيها إلى القانون. إذاً فالقرار استند على كل هذه الرؤى . وهذا طبعاً بخلاف المبررات التي ارتكزت على المهددات الأمنية المتسببة فيها حلقات الأسواق.
وقد تأكد بعد صدور القرار أن هناك فجوات ينبغي سدها ومعالجتها
# ولكن هناك قوانين مستندة إلى الدستور تكفل للناس حرية التعبير عن معتقداتهم؟
* نعم، هناك قانون يشير إلى أن الناس أحرار في معتقداتهم، لكن الأمر يحتاج إلى تنظيم وضبط وأن يتم تجميع أطراف القوانين والنُظم في قانون جديد.
# ما هي آلياتكم للتنظيم والضبط؟
* هذا القرار أصلاً جزء من قانون تمت صياغته تمهيداً لإيداعه وإجازته حسب الإجراءات في وزارة العدل ومجلس الوزراء ثم البرلمان، وهو (قانون تنظيم المساجد وضبط الخطاب الدعوي). نعم، هناك قوانين قديمة، ولكن لابد من قانون منفصل.
# أيضاً بررتم لهذا القرار من ناحية أمنية.. هل تأكدت بالفعل وجود مهددات أمنية أم هي محاولة لحشد المبررات للقرار؟
* بالفعل حدثت اختراقات أمنية كبيرة بسبب هذه الحلقات، فهناك أكثر من (80) شخصاً بين قتيل ومصاب في زالنجي وأم درمان (حمد النيل والفتيحاب والشهداء) والخرطوم جراء هذه الحلقات.فهي مصحوبة بتهديد ووعيد ورعب ، هل هذه دعوة؟! أبداً ليست دعوة. لذلك كان يجب أن نتدخل.
#ولكن يبدو أن القرار لم يصدر عبر الجهات المعنية فعلاً بإصداره..الكثيرون عابوا عليكم أنكم لم تشاوروا بقية السلطات المعنية قبل إصدار القرار؟
*واحدة من الأشياء التي ارتكزت عليها أن القرار صدر من دائرة اختصاصه.فمن اختصاصات الوزارة الأصيلة تنظيم وترتيب العمل الدعوي.وهذه الحلقات تجمعات أحاديث دينية وليست تجمعات جماهيرية عادية، لذلك هي من اختصاصات وزارة الإرشاد.
# القانون يبدو مخالفاً للدستور والقوانين الراعية لحرية الاعتقاد والتعبير؟
* غير صحيح..أنا شاورت وتأكدت من سلامة القرار من ناحية دستورية وقانونية. هذا بخلاف أن هناك توصية من البرلمان عندما قدمنا خطاب الوزارة بأنه لابد من معالجة أمر الخطاب الديني.
#ألم تدفعك كل ردود الفعل الرافضة للقرار إلى مراجعته والتأكد من عدم مخالفاته للدستور والقوانين المرعية؟
* أنا مطمئن تماماً لدستورية وقانونية القرار ومن سلامته من ناحية دينية وإدارية. فالدستور في عمومياته يدعو لحفظ الأنفس والأعراض وصون الكرامة .لكنا نجد أن التعريض بالناس فيه امتهان لكرامة الإنسان، فإننا نجد تكفير صريح لقامة من قامات البلد، بجانب وجود دعاة يسيئون لرجال الدولة من وزراء وغيرهم ما يعتبر تأليب على هؤلاء المسؤولين، وهي محاذير مذكورة في السياسة الشرعية.
#إذاً أنت متمسك بقرارك ولا تنوي التراجع عنه؟
* نعم، نحن متمسكون جداً بالقرار، وقد توصل الاجتماع الذي ترأسه نائب الرئيس بالقصر الجمهوري بمشاركة رئيس المجمع الفقهي وممثلين لهيئة علماء السودان والمجمع الصوفي وجماعة أنصار السنة (د.عبد الكريم ود.إسماعيل) إلى أن القرار نافذ وماضٍ وأقر الجميع بالقرار وبحاجة العمل الدعوي لتنظيم وترتيب ولم يتم التراجع عن القرار، وأجمع المجتمعون على منع الحديث الديني في الأسواق والأماكن العامة، ولكن تم الاتفاق على أنه سيكون هناك ساحات مخصصة في المحليات يتم تنظيمها وترتيبها حتى تليق بقدسية الحديث الديني، واتفقنا كذلك على أن يكون الدعاة أكفاء ومؤهلون وأن يتم منحهم رخص وبطاقات، وأن تكون المادة المقدمة في الحديث الديني حول المتفق عليه بين المسلمين بعيداً عن (التشريك) والتكفير.
#ولكن جماعة أنصار السنة خرجت أمس السبت وقالت خلاف ما تقوله أنت الآن، وأعلنت أن رئاسة الجمهورية ألغت القرار؟
*ما قالوه أنصار السنة ليس عنده أي أساس من الصحة وانحرف تماماً عما دار في الاجتماع. فالرئاسة لم توقف القرار،وقرار الوزارة ساري ونافذ، ومجرد انعقاد اجتماع بالقصر الجمهوري هو إقرار وتأمين على مضامين القرار وإلا لكان التوجيه واضحاً وهذا ما لم يحدث، ومحضر الاجتماع موجود ومدوَّن، وهناك جهات أخرى غير أنصار السنة كانت حاضرة في الاجتماع. وكما قلت لك فقد ناقش الاجتماع الترتيبات ما بعد القرار وتم الاتفاق بين الجميع على أن تخصص السلطات ساحات محددة للأحاديث الدينية وفق ضوابط متفق عليها تشمل اختيار المتحدث بعناية وأن يخلو الحديث من التكفير والشرك. وأيضاً أمن الاجتماع على عدم صلاحية الأسواق والشوارع العامة للحديث الديني.
# كيف يمكن تفسير حديث جهة مشاركة في الاجتماع عن مخرجات مخالفة لما جرى فيه؟
* مخرجات الاجتماع هو ما ذكرته لك، وإقراره بأن القرار نافذ مع الاتفاق على الضوابط التي أوضحتها لك، أما إذا برز من لا يهتم ولا يحترم موجهات الدولة فيما فيه صلاح الأمر ونبذ الفتنة، فهذه أمور أخرى تحتاج معالجات أخرى.
#صف لنا أجواء الاجتماع بين كل هذه الجماعات المختلفة؟
* الاجتماع كان متفرد بشهادة الجميع فقد جمع أشتات من الأفكار والجماعات. وقد ركز على ما بعد القرار وكانت النقطة الأساسية تحديد ساحات معينة ولا تكون ملكاً لجماعة أو طائفة بعينها.
#هل تم تحديد سقف زمني لتطبيق هذه المعالجات وتحديد الساحات المخصصة للحديث الديني؟
* سيكون في القريب العاجل، ونحن الرؤية بالنسبة لنا واضحة للمعالجات المطلوبة.
# ألا تخشون أن يتسبب تطبيق القرار في فتنة يقف وراءها بعض شباب الجماعات الرافضة للقرار حتى بمعالجاته الأخيرة هذه ؟
*الفتنة الحقيقية هي أن يستمر هذا الخطاب الذي يسود حلقات الأسواق بكل مساوئه، لأن الخطاب الديني بهذه الصورة خلَّف احتقانات كادت أن تؤدي إلى حروب، ونحن قد تسلمنا في الوزارة تقارير تؤكد هذه المخاطر، وهذا بخلاف التسجيلات لكثير من حلقات الأسواق. ونحن قد تصدينا لهذا القرار من باب المسؤولية تجاه الدين وتجاه الوطن.
# بعد اجتماع القصر هل زال الخلاف أو اللبس بينكم وبين هيئة علماء السودان ومجمع الفقه وهي جهات لها علاقة بمثل هذه القرارات ؟
* ليس هناك لبس مع هيئة العلماء ولا مجمع الفقه الإسلامي. فقد اتصل بنا أمين الفتوى بهيئة العلماء الشيخ الدكتور “عبد الرحمن حسن حامد” وبارك القرار بعد صدوره.
# هل تشعر أن قرارك وجد القبول عند الجهات والهيئات المعنية بالقرار..حيث يبدو أن الرفض أعلى صوتاً؟
*عموماً أية فكرة جديدة قد تقابل بالقبول والرفض، ولكن من خلال مؤشرات كثيرة ومن خلال مواقع التواصل والاتصالات المباشرة بنا من جهات كثيرة جداً (هيئات ومؤسسات وأفراد) فإن المناصرين هم الغالبية، وذلك لأننا لا نقصد فئة معينة، بل مقصدنا هو أمر الدين.
# ولكن ثارت شبهة قوية جداً قد يبدو فيها شيء من المنطق وهي أنك تنتمي لطائفة دينية محددة متضررة من انتشار الأحاديث الدينية في الأسواق والأماكن العامة ..وهو ما دفعك لإصدار القرار؟
* نعم، أنا ختمي وصوفي، أقولها بملء فمي وأتشرف بذلك،ولكن هذا لا يجعلني أنزع عني الصفة القومية للوزارة، فهي ليست لحزب أو طريقة، هي وزارة الأوقاف السودانية وأنا متفهم تماماً لقومية الوزارة، ولكن لا يعجبني ما يحدث في ساحات الأسواق، ولا بد أن أقوم بواجبي. ولا بد من النظر إلى أن الصوفية أنفسهم لديهم متحدثين في الأسواق ويتسمون أحياناً بحدة في طرح خطابهم، فالقرار لم يستثن أحداً . وفي النهاية نحن لا نهدف لتقصير ظل العمل الدعوي، لكن يجب أن ننظمه ونضبطه، فالقضايا الخلافية ليس محلها الأماكن العامة، بل المجالس الخاصة، ويجب أن نتناوله في الأماكن العامة ما أجمعت عليه الأمة.
# ما هي تحوطاتكم في حال أصر البعض على مواصلة الحديث في الأسواق بنفس الطريقة الحالية ؟
* نحن متحسبون لأي أمر وأي تصرف، فالقرار يمثل الدولة وليس قرار وزير الإرشاد، والدولة قادرة على تطبيق القرار، وهو بالفعل وجد سبيله للتنفيذ في كل الولايات.
# هل التنفيذ تقف عليه السلطات المحلية المعنية بتنفيذ مثل هذه القرارات؟
* القرار فعلياً دخل حيز التنفيذ والجهات الرسمية موافقة على القرار وواقفة على تنفيذه.