المكتب السياسي للحزب الشيوعي..غيابات محيرة ومفاجآت غير منتظرة
“الخطيب” باقٍ بالقيادة..تغييب “يوسف حسين”.. وأسماء جديدة
الخرطوم_ محمد إبراهيم الحاج
ربما لم يكن مفاجئاً للكثيرين عودة المهندس”محمد مختار الخطيب” إلى قيادة الحزب الشيوعي مرة أخرى بعد انتخابه أمس الأول سكرتيرًا سياسياً بعد انقضاء أعمال المؤتمر السادس للحزب الذي انتخب لجنة مركزية جديدة أعقاب صراع قوي قاده السكرتير الجديد القديم في مواجهة تيار التجديديين الذي يقوده د.”الشفيع خضر” وانتهى بفصل الأخير من الحزب وتمهيد الطريق لـ”الخطيب” للعودة مرة أخرى لقيادة الحزب العتيق، نعم، لم يكن اختياره مفاجئاً، ولكن المفاجأة ربما كانت في خروج بعض القيادات التي كانت مؤثرة بشدة خلال الفترة السابقة من قيادة المكتب السياسي أبرزهم “يوسف حسين” المتحدث السياسي السابق باسم الحزب واختيار “فتحي فضل” بدلا عنه وإبعاد “علي الكنين” الرجل القوي بالمكتب السابق، وإحباط التوقعات التي أشارت إلى دخول الشيوعية الصلدة “آمال جبر الله” والمخضرم “كمال الجزولي” واكتفائهما بالبقاء في عضوية اللجنة المركزية للحزب.
“الخطيب” قائدًا لدورة جديدة..
سوف يكون المهندس “محمد مختار الخطيب” سكرتيراً للحزب الشيوعي لدورة جديدة قد تنتهي في زمنها الطبيعي في حال شهدت البلاد استقراراً سياسياً وقد تطول كدورات سابقة لم تكن فيها الظروف مواتية لتغيير قيادة الحزب مثلما كان الحال مع السكرتير السابق “محمد إبراهيم نقد” الذي استمر على رأس القيادة السياسية للحزب لما يقرب من الأربعين عاماً، وتقول السيرة الذاتية للخطيب إنه من مواليد العام 1942م ويعمل مهندساً زراعياً بالمعاش وهو متزوج وأب لخمسة أبناء وبنات ويعدُّ من الكوادر الشيوعية القديمة، وكان من قادة إضراب عموم نقابات الفنيين في السودان عام 1978م إبان النظام المايوي، ومن مؤسسي ورئيس تجمع نقابات العاملين بمؤسسة حلفا الجديدة الزراعية في عام 70 – 1971م رئيس تجمع نقابات العاملين بمؤسسة حلفا الجديدة الزراعية (إعادة تكوين) في الفترة من 80 – 1981م.
وعمل سكرتيرًا للمجمع التعاوني للعاملين بمؤسسة حلفا الجديدة الزراعية لدورتين 79 – 80 – 1981م وعضو اللجنة التنفيذية للجنة الشعبية لأبناء حلفا للتكامل والتعمير (حلفا الجديدة) وهو أيضاً من مؤسسي وعضو اللجنة التنفيذية لاتحاد الشباب السوداني بمنطقة حلفا الجديدة في الفترة من 64 – 1971م وساهم في مشاريع اجتماعية وعمرانية وثقافية في منطقة حلفا الجديدة والمشروع الزراعي عموماً.
وانتخب رئيساً للجنة إعادة الخدمات بمدينة حلفا الجديدة 2006 – 2008م واعتقل “الخطيب” مرات عديدة إبان حكم “عبود” و”نميري” وفي عهد الإنقاذ، وفصل من العمل بعد 1971م وكان مرشح الدائرة (11) حلفا الجديدة الجغرافية القومية – المجلس الوطني في الانتخابات السابقة، وتم انتخابه سكرتيرا للحزب الشيوعي بعد وفاة “محمد إبراهيم نقد” وأيد انتخابه مرة أخرى أمس الأول وتقول الشهادات اللصيقة بالرجل إن المهندس “الخطيب” رجل نزيه وخدوم، وهو محبوب وسط أهل منطقته (حلفا الجديدة) ، ولكن قدراته الفكرية ليست بذات مستوى نضالاته وليست بموازاة الأسئلة الكبرى التي يطرحها التاريخ والواقع السوداني على الحزب الشيوعي، كان المرشح المناسب لكي لا ينقسم الحزب الشيوعي وقتها ، وكان هو الأقرب تكتيكياً لتيار الحرس القديم، فقد كانت أول تصريحاته بعد انتخابه هو السير في طريق سكرتير الحزب السابق “محمد إبراهيم نقد”، وتمسكه بالماركسية – التي لا يُعلم إن كان الرجل يعرف أبجدياتها – ، وبالصيغة الطبقية للحزب كونه حزب الطبقة العاملة، وبعد اختياره مجدداً يبدو أن ثمة تحديات كبيرة ماثلة أمام “الخطيب” أهمها هو المحافظة على تأثير الحزب السياسي في الساحة السياسية السودانية ومعالجة كثير من القضايا الداخلية للحزب أبرزها قضايا المفصولين والاختراق الإعلامي لاجتماعات الحزب التي سبق أن أقرَّ “الخطيب” ذاته بوجودها في حديث لـ(المجهر) بعد انقضاء الجلسة الافتتاحية للمؤتمر السادس.
غياب محير..ومفاجآت
خلال المؤتمر العام السادس للحزب سمى أعضاء لجنته المركزية والمكونة من (41)عضواً بالإضافة إلى (10) أعضاء احتياطي…ونالت المرأة نسبة (25%) من العضوية الأساسية والشباب(18%)، وبلغت نسبة التجديد في العضوية(60%) ونال عضو اللجنة المركزية السابق المهندس “صديق يوسف” أعلى الأصوات في نتائج التصويت لاختيار أعضاء اللجنة الجديدة، فيما نال الناطق الرسمي باسم الحزب السابق “يوسف حسين” الترتيب السادس ونالت “فائزة إبراهيم نقد” الترتيب الـ (7) ونال المحامي “كمال الجزولي” التريب الـ(14)، وضمت القائمة وفق ترتيبها حسب الأصوات:
(“صديق يوسف”- “صالح محمود عثمان”- “بثينة خرساني”- “تاج السر بابو”- “صدقي كبلو”- “يوسف حسين”-“فائزة إبراهيم نقد”- “محيي الدين الجلاد”-“كمال كرار”- “سيد أحمد الخطيب”- “نور الصادق”- “هنادي فضل”- “الحارث أحمد التوم”- “كمال الجزولي”- “محمد مختار الخطيب” –”آمال جبر الله”- “علي عسيلات”- “طارق عبد المجيد”- آمال حسين” –”ميرغني عطا المنان”-“مسعود محمد الحسن”-“فتحي محمد الفضل”-“نعمات كوكو”-“علي سعيد”-“علي بابكر الكنين”-“أسامة حسن”-“حاج الزاكي”-“جلال السيد”- “فاتن محمد فضل”-“عبد الله القطيني”- “عبد الفتاح محمد بيضاب”- “خنساء محمد علي”- “مختار عبد الله”- “الهادي جمعة جابر”-“سليمان وداعة” –”عبد الرحمن دريسة” –”حسن الجزولي” – “فيصل الباقر”- “حليمة آدم محمد اسحق”-“هاشم ميرغني”).
وألحقت بالقائمة الرئيسية (10)أعضاء احتياطي هم: (عبد الرؤف علي”- “غادة مكي”- “مهدي شكاك”-“هدى عبد الله الطاهر”- “أسماء إسماعيل السني”-“الصادق أحمد زكريا”- “بشير عبد الرحيم زمبا”- “حسن عثمان محمد علي” – “من الله الطاهر من الله”- “آدم شريف”).
وأمس الأول تكوّن المكتب السياسي للحزب وشهد مفاجأة من العيار الثقيل وهو غياب القيادي والمتحدث باسم الحزب لسنوات طويلة “يوسف حسين” عن المهام القيادية، وتقول بعض المصادر إن تغييب “حسين” كان بسبب قربه من تيار د.”الشفيع خضر” المفصول من الحزب والمغضوب عليه، معتبرًا أن وجود “حسين” داخل اللجنة المركزية يعد أمرًا محيرًا كونه لا يجد رضا البعض، ومن المفاجآت أيضاً كان غياب الرجل القوي تنظيمياً “علي الكنين” الذي كانت له خلافات كبيرة مع القيادي “حاتم قطان”، ولكن العالمين ببواطن الأمور يعتقدون أن “الكنين” ليست لديه تجارب كبيرة في العمل السياسي رغم منصبه السابق في الحزب كمسؤول تنظيمي بالإضافة إلى فترته التي ليست طويلة داخل الحزب مقارنة بآخرين، كما أن غياب “آمال جبر الله” عده متابعون أمرًا غريباً لكونها كانت من أكثر المرشحين لتولي أدوار قيادية خلال الفترة القادمة، ودخلت “فائزة نقد” شقيقة الراحل “محمد إبراهيم نقد” التي تولت مكتب النقابات المركزي وهي من الشيوعيات اللائي يجدن احتراماً كبيرًا وتقديرًا داخل الحزب وخارجه، وتولى العتيق “كمال الجزولي” منصب إدارة مكتب الكتاب والأدباء الشيوعيين وهو ربما يتسق مع طبيعة الرجل التي تميل إلى الكتابات الأدبية والتوثيق.
كان الحديث الذي يدور خلال الأيام السابقة هو اختيار أحد أبناء الهامش وهو القيادي والمحامي “صالح محمود” الذي تم انتخابه لمكتب العلاقات الخارجية، وهو رجل يحظى بقبول كبير داخل الحزب الشيوعي وخارجه بل وحتى من الدول الأوربية فقد سبق أن فاز العام 2007م، بجائزة (سخاروف) لحرية الفكر وهي جائزة أسسها الاتحاد الأوروبي في 1988م، لتكريم الأشخاص أو المؤسسات الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وحرية الفكر، وقد بلغت قيمتها المالية منذ (2010م) مبلغ (50) ألف يورو، ومنحت أول مرة للمناضل الأفريقي (نيلسون مانديلا)، وسبق أن تم تكريمه من منظمة العفو الدولية (أمنستي) في العام 2004م، بعدها نال جائزة “هيومان رايتس ووتش” كأفضل مدافع عن حقوق الإنسان في العالم 2005م، وجائزة المحامين الأمريكيين كأفضل مدافع عن حقوق الإنسان 2006م، وتم اختياره ضمن أكثر (50) شخصية في العالم تأثيراً على قرارات الحكومات والرأي العام في العام 2007م وهو الذي علق عليه رئيس البرلمان الأوروبي آنذاك قائلاً: (“صالح محمود” وحد أوروبا)، ولكل ذلك برز اتجاه قوي داخل الحزب الشيوعي بأن يتم اختيار محمود، كما أنه حصل على ثاني أكثر الأصوات داخل اللجنة المركزية، وكان الجميع يستبعد عودة “الخطيب” مرة أخرى لقيادة الحزب.
كما أن هناك اسماً آخر صعد إلى سطح القيادة بهدوء وهو “فتحي فضل” الذي قضى أغلب سنوات عمره بأوروبا وهو كاتب راتب بصحيفة الميدان ورغم أن اختياره للجنة المركزية كان مفاجئاً إلا أنه تم إسناد منصب الناطق الرسمي للحزب له وسكرتيرًا للإعلام المركزي وهو منصب لا يقل خطورة عن بقية المكاتب القيادية، دور ربما أشارت له اللجنة المركزية في بيانها أمس باقتصار (التصريح للصحف وإذاعة البيانات الرسمية عليه فقط) وحظرت على بقية الأعضاء إطلاق التصريحات الصحفية، بينما يبدو الأمر متسقاً مع القيادي “صديق يوسف” الذي كان ممثلاً للحزب في التحالف الوطني تم إسناد وظيفة إدارة مكتب الاتصالات السياسية وهو رجل منضبط تنظيمياً ولديه علاقات جيدة مع القوى السياسية الأخرى رغم أن “يوسف” حاز على أعلى الأصوات في انتخابات اللجنة المركزية وهو ما جعل كثيرين يرشحونه لتولي قيادة المكتب السياسي.
الشيوعي يطلق أنفاسه..
إعلان الحزب لأسماء أعضاء لجنته المركزية وأعضاء المكتب السياسي وعقده لمؤتمره في قاعة الصداقة بالخرطوم ربما يؤشر إلى أن الحزب يخطو نحو طريق جديد ينفتح خلاله على كل التيارات الفكرية والثقافية، كما أنه ربما لأول مرة يعلن عبر البيان تحديد ميقات لاجتماع لجنته المركزية التي حددها في بداية سبتمبر القادم، وهي طريقة تفكير جديدة لم تكن مألوفة في أدبيات الحزب الشيوعي المولع بالعمل السري والاحتياطات التي تصل في بعض الأحيان إلى حد الهوس الأمني، وربما أن تلك الخطوات كانت رداً على كثير من الأحاديث التي أثيرت عن انغلاق الحزب وانكفائه على ذاته وعدم مخاطبة جماهيره وأصدقائه بشفافية مطلقة.