هاشم والمجهر
وحدها (المجهر) تحتفي بالشعر والشعراء وتفتح صفحاتها لقصائد الشاعر “هاشم صديق” ليغرد من حين لآخر بقصيدة جديدة، يفسرها المفسرون كل بما يروق له.. و(المجهر) بهذا التقليد تنتمي لعصر مضى حينما كانت الصحافة البيروتية والصحافة المصرية تهفو سراعاً لنشر قصائد من لهب لـ”نزار قباني”.. وقصائد من حمم لـ”أحمد مطر”.. وأبيات توجع وتؤرق مضاجع العرب لـ”محمد سعيد أدونيس”..
لم يغب “هاشم صديق” الشاعر المرهف الإحساس عن وطنه يمارس التجريب في الكتابة والدراما ولا يأكل من بضاعته كما يبيع بعض الشعراء ملابسهم نظير قطعة خبز ووظيفة تهبط بالمبدعين إلى أسفل.. لا يكتب “هاشم” من أجل أحد.. لكنه يكتب لهذا الشعب (رضعنا الطفولة) لين الكلام وأكلنا الخطابة (بعد الفطام) سقتنا الرجولة لهب الصدام وعند الكهولة عز الإدام.
هنا يرتفع “هاشم صديق” لمقام الملهم الذي يغذي شرايين الجماهير بنبض البقاء.. وكل الصحافة في العالم العربي اليوم وضعت الشعر في أدنى اهتماماتها.. لا تفتح الصفحات إلا للساسة الذين ينثرون خيباتهم وفشلهم ومشروعاتهم التي انصرفت عنها الجماهير.. وتفرش صحافتنا مساكنها.. وديوان ضيوفها وساحات استقبالها لمن هم لا يستحقون الإطلالة أصلاً في صفحات الصحف.. وينزوي الشعراء والأدباء في صفحات فنية تجمعهم بفتيات المساحيق والمكياج اللاتي يطلق عليهن زيفاً بنجوم الشاشة.. وقد غابت آخر نجمة في سماء بلدنا حينما رحلت “ليلى المغربي”.. وبعض من صور مغنيين مقلدين يرددون إبداع غيرهم ويحصدون الذهب والجواهر.. والشعراء يموتون بالحسرة والفقر والمرض وهول المصائب.. وأن يطل “هاشم صديق” على صفحات (المجهر) ينثر إبداعه في فضاء الجدب والأفول فإن ذلك من حسنات هذه الصحيفة ومآثرها.. وهي أيضاً تتحمل رهق المفسرين الذين يحملون منذ الصباح ما يكتبه الشعراء والأدباء لأبواب السلاطين يغمزون ويهمسون ويتبضعون ويربحون من سيئات تفسيراتهم.. هم أولئك العاكفون على أبواب السلاطين في عهد “جمال عبد الناصر” حاملين إليه كتاب “فتحي غانم” الذي جاء تحت عنوان: (الرجل الذي فقد ظله) وكان تفسير هؤلاء أن الرجل الذي فقد ظله ما هو إلا “عبد الناصر” نفسه، بعده كتب الكُتّاب عن نوايا “فتحي غانم”.. ونفسه الأمّارة بالسوء التي تحيق المكر بالنظام وبالرئيس “جمال عبد الناصر”.. ولكن وحده “موسى صبري” تصدى مدافعاً عن “فتحي غانم” ورواية (الرجل الذي فقد ظله) كرواية إبداعية جمالية، وبذات المنهج كانت قصيدة الراحل “نزار قباني” (هوامش على دفتر النكسة) قد أثارت جدلاً في الوطن العربي حينما قال انتهت لغة الكلام القديمة.. حرض المحرضون السلطان في كل مكان على جرائد وضفائر وخصلات شعر “نزار قباني” ولكنه خرج من تلك المعركة فرحاً.. مزهواً.. يقول إنني تزوجت جمهور العاشقين.
وحينما كتب “هاشم صديق” مرثيته الشهيرة لعروس البحر (القرنتية) استنفزت قوى الرد كل ما تملك من مفردات التخزين والتحريض والتفسير لتقول إن (القرنتية) ليست إلا ثورة الإنقاذ نفسها.. ورثاء “هاشم صديق” له ما قبله وبعده وحظرت وزارة الداخلية تداول القصيدة ولكنها انتشرت في الأوساط الشعبية (بالفوتي كوبي) قبل أن يكتشف الغرب الملعون الواتساب والفيس بوك.
يبقى الشعر من نفس الرحمن.. ومن شيطان الإنسان ومن كل ينابيع مخيلة المبدعين غير قابل للتفسير بغرض وغير قابل للموت بالتجاهل أو حرب الحظر.. ويبقى “هاشم صديق” مبدعاً من زمن يحرض فيه المحرضون على الفعل الشين والتفسير المختل!!