البحث عن اللقمة الحلال بين جوالات الفول السوداني
يتسم العمل في (حواشات) مشروع الجزيرة بسمات خاصة، ظلت متوارثة تنتقل من الآباء إلى الأبناء، ويمكن للزائر أن يلحظ كيف أن قيمة العمل ترتفع عالياً، حتى يخيل إليك وأنت تنظر لعمل المزارعين هناك، أرجلهم وأيديهم مغروسة في جداول وترع الري من (أب ستة) أو (أب سبعين) وغيرهما، لكأنما هم يعزفون ألحاناً تجري مع خرير المياه، ولا تنتهي حتى تسقي زرعهم.
ويشعر الناس هنا بمتعة حقيقية لا يعرفها إلا من (كابدها)، حيث تبدأ مسيرة العمل اليومي منذ الصباح الباكر، وكان معروفاً عن أهل الجزيرة، أن الأسرة كلها تعمل بـ(الحواشة)، الأب والأم والإخوة والأخوات، كل واحد منهم يؤدي مهامه على أكمل وجه، وتجد النسوة لا يتحرجن من ممارسة العمل الشريف الذي يعود بالخير على الكل، الرزق الحلال وحده الذي يدخل بيوتهن، من زراعة الطماطم التي يسمونها هنا (البندورة)، إلى لوزة القطن، والفول السوداني وغيرها من (الخيرات)، أما أكثر المساحات التي تفيض حيوية فهي مشاهدة (جبال) الفول السوداني المكومة والنساء يتحلقن حولها، يتجاذبن ويتسامرن بينما تعمل أيديهن بكل جدية.
وفي هذا الصدد، للنساء والفول السوداني صلة عمل وقصص لا تنتهي، عادة ما يبدأ موسم زراعة الفول في الثلث الأخير من شهر يونيو من كل عام، ومعلوم أيضاً أن موسم زراعته يستمر لأربعة شهور، تبدأ عملياته أولاً بتحضير المساحة وحرثها وبذر بذرة الفول (المقشرة)، ثم ري الأرض ليستمر الموسم حتى ينتهي بحصاد الفول في نهاية المطاف. يقول (النذير الصديق) من قرية (الفقداب): هذه العملية غالباً ما تتم كشراكة بين المزارع صاحب الأرض الذي يتوجب عليه توفير البذور، بينما يتولى شريكه مهام النظافة والزراعة والري، ويضيف (النذير): بالنسبة لنا في قرى (السريحة، فور، شجر، الفقداب، الأنصار، توير، بركات) تجد أن بعض النساء يعملن في مواسم إنتاج الفول هذه، وحتى بعد حصد الفول يتبقى بعضه لم يقتلع تماماً، فتقوم النساء العاملات بنظافته، وهنا يتم تصنيف الفول إلى نوعين، فالذي تبقى في الأرض ثم جرى استخراجه يسمى (دوليق)، وهو يخرج من الأرض (الرويانة)، ويباع في الأسواق بسعر أعلى إذ يصل ثمن الجوال منه إلى (120) جنيهاً، بينما يباع جوال الفول (العادي) بـ(90) جنيهاً، وهذا يطلق عليه هنا (المضرا) ويفرز بعد (دق التبن).
إلى مكان يقع على الطريق الرئيس بأطراف منطقة (السريحة) ذهبت، طلبت من سائق (البوكس) التوقف حيث تراءت لي (جحافل) فول سوداني أصيل، تراصت في ما يشبه الساحة جوالات الفول السوداني المعبأة جيداً، بينما تكومت تلال من الفول يمكن ملاحظة كيف أن أيدي النسوة هؤلاء ستقوم بنظافتها وتعبئتها، وكان واضحاً أن وتيرة العمل تسير بشكل جيد، (6) من النساء العاملات كن يرتدين ثيابهن المخصصة للعمل، وعلى الرغم مما يبدو من صعوبة يتخيلها الناظر إليهن، إلا أنهن كن في حالة أشبه بالرضا عن سير العمل.
وفي السياق، سألت المشرف المسؤول عن العمل (قسم جاد الرب) وطلبت منه أن يتحدث عن ما يقومون به، وبدا جلياً أن تناغماً تاماً تشهده الساحة التي تتوسط بعض المنازل، فقال الرجل: (الفول الذي تراه أمامك الآن نعمل نحن على نظافته وتعبئته لمصلحة صاحب العمل واسمه العبيد). بعده، أخذني فضولي أكثر ناحية الحاجة (بخيتة يوسف محمد)، التي أشرق وجهها بابتسامة عريضة تنم عن رضا بما تؤديه، ثم قالت: يُجلب هذا الفول من مناطق (المعيلق، كاب الجداد والترابي)، ونحن هنا نقوم بنظافته من الشوائب، ثم نعمد إلى تعبئته في جوالات يجلبها صاحب العمل. وتضيف: أتقاضى نظير هذا العمل جنيهاً ونصف الجنيه عن كل جوال تتم تعبئته بعد نظافة الفول، أما العدد الإجمالي الذي عادة ما أنجزه فيبلغ حوالي (11) جوالاً في اليوم. وقبل أن أطلب أي تفصيلات أخرى ضحكت وقالت: (أنا حبوبة، يعني مرة كبيرة عشان كدة ما بقدر أزيد أكتر من كدة).
وتشاطرنا الحديث الشابة (تغريد حسن)، وبينما كانت تتحدث كنت ألحظ وأنا ألقي الأسئلة على هؤلاء النسوة أنهن لم يكن يتوقفن عن العمل أثناء حديثهن، بل كان العمل يمضي وكذلك (النضمي)، تقول (تغريد): أنا أقوم بتعبئة ما بين (15 -20) جوالاً في اليوم، والحمد لله، فهو عمل شريف ورزق حلال نعول به أهلنا.