رأي

بعد ومسافة

تيسير الزواج .. المسؤولية المشتركة بين الحكومة والمجتمع ..
مصطفى أبوالعزائم
استقرار الدول يأتي من استقرار المجتمع، والمجتمعات لا تستقر إذا لم نقم بالترغيب في الزواج بين الشباب من الجنسين  ، وهذه مسؤولية عظيمة تقع على عاتق الحكومات والمجتمع معاً، أو هكذا يجب أن تكون في المجتمعات الصحيحة المعافاة، وإلا فإن لم يحدث ذلك لفتحنا أبواب الفساد على مصراعيها، خاصة إذا ربطنا الزواج بالمال والغنى المادي، ولبعض السلف أقوالٌ كثيرة في هذا الشأن غير الأحاديث النبوية الشريفة التي تحض على تسهيل الزواج وهي من المعلوم بالضرورة لأكثر الناس، ولكن أكثر الناس لا يطبِّقون ما دعاهم له الدين وما حثّهم عليه الرسول الكريم سيدنا “مُحَمَّدٍ” صلى الله عليه وسلّم، ومن بين تلك الأحاديث الشريفة عن أبي حاتم المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) قالوا يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) قالها ثلاث مرات.
وفي تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي “لمحمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المبارك” فوري قوله إذا خطب إليكم أي طلب منكم أن تزوجوه امرأة من أولادكم وأقاربكم من ترضون أي تستحسنون دينه أي ديانته وخلقه أي معاشرته فزوجوه أي  إياها إلا تفعلوا أي إن لم تزوجوا من ترضون دينه وخلقه وترغبوا في مجرّد الحسب والجمال أو المال وفساد عريض أي ذو عرض أي كبير وذلك لأنكم أن لم تزوجها إلا من ذي مال أو جاه ربما يبقى أكثر نسائكم بلا أزواج وأكثر رجالكم بلا نساء فيكثر الافتتان بالزنا وربما يلحق الأولياء عار فتهيج الفتن والفساد ويترتب عليه قطع النسب وقلة الصلاح والعفة. قال “الطيبي” وفي الحديث دليل “لمالك” فانه يقول لا يراعى في الكفاءة إلا الدين وحده، ومذهب الجمهور أنه يراعى أربعة أشياء، الدين والحرية والنسب والصنعة فلا تُزوج المسلمة من كافر ولا الصالحة من غير صالح ولا الحرة من عبد ولا المشهورة النسب من الخامل وهكذا وأن رضيت المرأة أو وليها بغير كُفء صح النكاح .
ضربت لنا يوم (الخميس)، الماضي أسرة وأبناء الشيخ الجليل الداعية الإسلامي الراحل “عبد الرؤوف التكينة” مثلاً عظيماً يستوجب الإتباع في محاربة العادات الاجتماعية السالبة، وهي الأسرة الدينية المعروفة على مستوى البلاد والتي تشرفتُ بمعرفةٍ اثنين من أبنائها هما الدكتور “موسى التكينة” وهو أستاذ جامعي وداعية إسلامي معروف ورجل إعلام رسالي يملك ويدير قناة فضائية سخرها لخدمة قضايا المجتمع ، واعرف شقيقه الأستاذ “أمير” الذي لم يحد عن طريق والده الشيخ الجليل الراحل “عبد الرؤوف التكينة”، وقد تلقيت منهما دعوة للمشاركة في احتفالات الأسرة الكريمة واحتفالات قرية التكينة بولاية الجزيرة، في اليوم الثالث عشر من أكتوبر الحالي بمناسبة زواج ابنتهم الدكتورة “الحميراء” صغرى بنات الشيخ “عبد الرؤوف التكينة” وشقيقها المهندس “ضياء الحق” وهذا أمر عادي في مجتمعنا، لكن ماهو غير عادي فهو الخطوات التي سبقت إكمال مراسم الزواج، ففي يوم (الخميس) الأول من أمس وفي خطوة تسبق إكمال الزواج تقدم أهل العريس المتقدم للدكتورة “الحميراء” بالمهر والشيلة وكان المهر مكوناً من عشرات الآلاف من الجنيهات، فما كان من ابنة الشيخ “التكينة” إلا أن سحبت ورقة من فئة العشرين جنيهاً معلنة على الملأ أنها تكتفي بها مهراً، وهو ما شكل صدمة إيجابية لأهل العريس وهو من أقاربها من ناحية الأم، وقد كان لهذا الموقف ما بعده وسيكون له ما بعده في قرية التكينة، وربما في كل المنطقة .
للشيخ “التكينة” – رحمه الله – ابن يعمل ويقيم بالمملكة العربية السعودية الشقيقة هو المهندس “ضياء الحق” والذي أوكل شقيقه الدكتور “عاصم التكينة” لتكملة مراسم زواجه في ذات (الخميس)، السعيد فكانت المفاجأة الأسعد بأن رد أهل العروس المهر مكتفين بعشرين جنيهاً مهراً لابنتهم، مثلما فعلت الدكتورة “الحميراء” كريمة الشيخ “التكينة”، وهو الأمر الذي شجع الكثيرين من أرباب الأسر هناك لأن يعلنوا عن موقف موحد لتسهيل الزواج من خلال قبولهم بمهر لا يزيد عن تلك المهور المباركة، وهنا يظهر دور القدوة الحسنة، فآل الشيخ “التكينة” ينعمون بمال كثير ويحمدون الله على ذلك كثيراً بالقول والفعل الرشيد، لكنه أرادوا السير في ذات طريق والدهم – رحمه الله رحمة واسعة وغفر له – والذي كان قد استن سُنة تقليل تكلفة الزواج في قريته بالجزيرة، وبدا لأهل قريته ما يعرف ب (عرس الكورة) وهاهم الأبناء والبنات يسيرون على ذات الدرب .
المطلوب من الحكومة أن تعمل هي ذاتها من اجل تسهيل الزواج ليس بإقامة الزيجات الجماعية وحدها بل بالتأسيس لقواعد ثابتة تقوّي وترسخ لقيم الزواج والاستقرار، مثل إنشاء المجمعات السكنية الضخمة التي تضم عماراتٍ من عدة طوابق تحتوي على شقق صغيرة من غرفتين أو ثلاث غرف وصالة بتمويل لا يتطلب شروطاً صعبة من بنوك الأسرة وغيرها من البنوك على أن يتم السداد في فترة زمنية طويلة بأقساط مريحة لا تتجاوز قيمة القسط الواحد منها إيجار “نص بيت” في حي شعبي، ويبقى بعد ذلك دور المجتمع في تأسيس لجان ضمن لجان الأحياء لتسهيل الزواج ومحاولة إقناع الأسر بالابتعاد عن إقامة الأفراح الباذخة في الصالات عالية التكلفة والاكتفاء بالاحتفال داخل الحي في ميدان عام أو حديقة الحي مثلما يحدث في بعض الأحياء أو أمام المنزل بحيث تكون الدعوة قاصرة على أهل العروسين المقربين وجيرانهم بعيداً عن المظاهر الزائفة والمباهاة التي أبعدت أبناءنا وبناتنا عن محطات قطار الزواج .
أبنائي وكثير من أبناء الجيل الجديد الشاب لا يستوعبون ما أقوله لهم بأنني تزوجت قبل أن أكمل عامي الخامس والعشرين وإنني تزوجت وأنا لا املك ما يحلمون به الآن من غرف نوم فاخرة ولا املك تلفزيوناً ولا ثلاجة ولا ولا ولا ، لكن الله يسّر كل ذلك بعد فترة قصيرة وكان السبب في ذلك يعود إلى تفهّم الأسرتين ووعي الآباء والأمهات – رحمهم الله جميعا وغفر لهم – لأنه لولا ذلك الوعي والتفهم ربما تأخر ذلك المشروع أكثر من عشر سنوات أو يزيد .
التحية لأسرة الشيخ الجليل الداعية المغفور له “عبد الرؤوف التكينة” ولأبنائه الكرام ولأهالي قرية التكينة الذين جددوا الدين في أحد أهم جوانبه وهو إكمال نصف الدين للبنين والبنات من خلال هذا الفعل العظيم الذي سيحفظ الأمم من الزوال والفناء ونسأل الله تعالى أن يبارك لهم في هذه الزيجات وفي التي تليها وأن يحفظ مجتمعنا من الزلل وأن يبارك في كل عروسين وأن يبارك عليهما وأن يجمع بينهما في الخير … و … بيت مال وعيال بإذن الله تعالى .

مشاركة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة المجهر السياسي السودانية