البروفيسور عقيل سوار الدهب وأسرار الطبابة الشرعية ، في حديث للمجهر.. (1ـ 2)
* كطبيب شرعي أعتقد أن المتعة تكمن في كيفية استخلاص أسباب الوفاة ومعرفتها وكيفيتها..!
* الناس بتخاف من نقل الأعضاء ، ودا هنا في السودان غير موجود..!
* اختارني الله ، سبحانه وتعالى ،أن أكون في مؤخرة قطار الحياة..!
حوار ـ هبة محمود
بين رائحة الفورملين وأدراج الموتى التي لا يقطع سكونها سوى محرك الثلاثة التي تعمل بدرجة 3 مئوية، ظل دكتور “عقيل سوار الدهب” ولسنوات طوال ناطقاً رسمياً باسمهم أي ـ الموتى ـ حين يفصح عن أسباب ومسببات الوفاة وكأنَّ قدره حكم عليه أن تختصر حياته بين الأموات.
بمكتبه داخل مشرحة بشائر بالخرطوم جلس بروفيسور “عقيل” يقلب الأوراق وبعض الملفات وعلى قسماته ترتسم ابتسامته المعهودة التي تتنافى ومجاله ذلك، وكأني به يقول مثلما للحياة حكايات شيقة فللموت أيضاً روايات ممتعة، سيما أن الرجل يحمل بين جنباته كثيراً من المغامرات وعديداً من الحكاوى التي فك طلاسمها عبر مبضعه وحنكته وفراسته، ففي داخل المشرحة تقبع الكثير من الأسرار والقصص التي انتهت فصولها بالموت… مجهولو هوية لم يتم التعرف على ذويهم وأطفال حديثو الولادة لا يدري أحدهم من أين ولماذا جاء ومن ذووهم وأي ذنب اقترفوه حتى يلقوا هذا المصير!! علامات استفهام وتساؤلات جمة يكشف الطب الشرعي عن كثيرها ومحاور متنوعة وضعتها (المجهر) بين يدي نطاس الطبابة الشرعية في السودان البروفيسور “عقيل سوار الدهب” فبماذا أجاب.
{رمضان كريم دكتور وكل سنة وأنت طيب؟
-وأنتم بألف خير وعبركم أهنئ أهلي جميعاً بالسودان بحلول الشهر الفضيل وأسأل الله أن يجعله عاماً مباركاً وأن يعيده علينا وعلى الأمة الإسلامية بالخير واليمن وأن يجنبها كافة شر البلاء والبلوى، وأشكر جريدة (المجهر السياسي) التي عرفت بمواقفها الطيبة والحيادية تجاه قضايا الشعب السوداني، كما أشكرك لتكبدك المشاق وحضورك إلي في المكتب بالمشرحة لتناول قضايا كثيرة وهامة.
{“عقيل سوار الدهب” لماذا الطب الشرعي دوناً عن غيره؟
-أنا أفتكر أنها اختيارات إلهية يختارها الله سبحانه وتعالى للعبد وقد اختارني الله أن أكون في مؤخرة قطار الحياة، لأن الموت طبعاً يعتبر هو النهاية الحتمية للإنسان وأسأل الله أن يمكنا من أداء هذه الرسالة الخالدة والهامة والإنسانية التي تحمل في طياتها كل معاني العلم والأدب والأخلاق ومعاني السمو والتفاني ونكران الذات، والعمل بثبات وبسؤدد لاستخلاص حقوق الناس ومعرفة أسباب الوفيات ومعنى الوفاء وكيفية الوفاة والوصول إلى علاقة السببية التي يتطلبها الأمر لكي تنزل في ميزان العدالة إلى القضاء والنيابة والشرطة لمعرفة الحقيقة التي نسعى لها جميعاً.
{الطبابة الشرعية مجال ينفر منه الكثيرون فهل أحببت التميز من خلاله؟
-حتى التميز مرات تفرضه عليك أسباب كثيرة وتتعدد الأسباب ويصل الإنسان إليه، كما أنه أي ـ التميز ـ دائماً ما يكون من قبل الناس .. الناس هي التي تعرف معناه ويفسره الآخرون بعملك وأدائك وإنسانيتك.
*وهذا ما لمسته من معاملة الناس ليك؟
-طبعاً لأنه أي ـ الطب الشرعي ـ عمل ملامس لحياة الناس ويتطلب أن تكون لك مواقف مع أهلك (كريم ـ متسامح ـ قريب ـ مجامل) في كثير من المواقف وبالمناسبة الشعب السوداني يختلف عن كثير من الشعوب لذلك أنا رفضت كل إغراءات الخروج من هذه البلاد الطيبة، وفضلت أن أكون بين أهلي، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: (بارك الله في امرئ وجد رزقه في داره) ونحن وجدنا رزقنا بين أهلنا وبين جيراننا ومدننا وقرانا. وعرفت كل السودان بقبائله وأهله وبفيافيه وصحاريه وبلهجاته شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً من خلال هذه المهنة التي وجدت فيها نفسي.
{وأنت في أولى طب وضعت الطب الشرعي نصب عينك؟
-لا لا، أنا تنقلت بين تخصصات كثيرة خلال مسيرتي العملية في التثقيف الصحي ومجال الكشف المبكر للأورام ومستشفى الذرة، كما عملت في مجالات وتخصصات أخرى مختلفة ومتعددة، ولكن عندما تم اختياري لأكون طبيباً شرعياً وجدت نفسي في هذا المجال وأحببت هذا المكان وكيفية التعرف على الموت والوصول إلى سببيته وكيفية إكرام الموتى والتعامل معهم ومع وذويهم وكذا كيفية التعامل مع الجاني، وذلك من خلال التقرير الذي أكتبه، فأنا أكتب تقريراً مفصلاً عن أسباب الوفاة وأذهب إلى القضاء لأقرأ هذا التقرير، والقاضي هو الذي يحكم، ففي بعض القضايا يكون المتهمون خمسة وهذا الأمر يتطلب منك الحكمة ومعرفة أسباب الجريمة الحقيقية وتريد إخراج متهم واحد من خلال هؤلاء الخمسة.
{تم ترشيحك من قبل من؟
-بروفيسور “بشير إبراهيم مختار” وهذا اسم هام جداً واسم عملاق وأنا أفتكر أنه رجل عملاق ويعرف كيف يختار الناس هو من بين الأساتذة الكرام الذي أصر أن أكون في هذا التخصص وبعثني إلى خارج السودان.
{كيف تقبلت عندما طلب منك الذهاب إلى هذا المجال؟
-لكل شخص طموح أكبر وأوفر في حياته بأنه يصل إلى قمة الأشياء، أنا أفتكر أنني كنت مطيعاً، أنا شخص مطيع وتقبلت الأمر وبطبعي أنا لا أجادل كثيراً.
{لم يكن لديك تخصص محدد؟
-أنا لا أجادل كثيراً في الشيء الذي اختاره لي الله سبحانه وتعالى.
{توقعت الوصول إلى هذه المكانة التي أنت عليها الآن، فلا يذكر الطب الشرعي إلا ويذكر عقيل سوار الدهب؟
-ضاحكاً ..أنا أيضاً نقيب الأطباء الشرعيين العرب وأستاذ في الجامعة بدرجة بروفيسور وعميد الطلاب لجامعة ابن سينا، يعني أنا مرتاح بالشئ الذي قدمته وتوقعت أن الله يوشحني بهذا الوشاح في أن أعلم أبنائي الطلاب وأقف مع أهلي وأجاملهم في مصائبهم وفي مشاكلهم المختلفة، وأتعرف عليهم عن قرب وأؤدي أدائي وأسأل الله أن يمد في أعمارنا لننجز هذه المهمة للآخر، والحمد لله وجدنا الحب منكم كقبيلة للإعلاميين تحفني بحب شديد وهم يحبونني كثيراً وأنا أفتكر هذا شيء جميل ويعد لنا في ميزان حسناتنا مع أهلنا.
{أنت أهل لهذا الحب والوفاء دكتور؟
-شكراً لك.
{حدثني عن أول يوم تشريح؟
-أنا شرحت في العام 1998 وكنت وقتها طبيباً عمومياً، اشتغلت في ربك وفي جنوب السودان واشتغلت في مفوضية الشؤون الصحية في بحري وشرق النيل، وشرحت بعض الجثث فلم يكن الأمر غريباً علي لأول مرة لكن أنا أتذكر أول مرة شرحت فيها جثة واستطعت الوصول لحقائق هامة في أسباب الوفاة.
{ألم تجد صعوبة في التشريح؟
-لا أبداً، لم أجد صعوبة في العمل والتشريح، أنا تعلمت من غيري وهذه حاجة مهمة لأن الإنسان لابد أن يتعلم من الآخرين، وهذه المقولة دائماً ما أقولها لأبنائي الطلاب ليس عيباً أن تتعلم من الآخرين خاصة في مهنة الطب.
في مهنة الطب لابد أن يكون التعلم موروثاً لأنه علم فيه أشياء متجددة إن لم تتواضع لن تتعلم . وأنا أشكر أنني تعلمت من أخي بابكر إبراهيم يونس وهو شخص متواضع وعالم وبمواصفات طبيب شرعي مؤهل، أنا تعلمت منه الكثير علمني كيف أتعامل مع الجهات العدلية والنيابية والشرطة، هذه أشياء هامة الآن أنا أدرس عدة جامعات في أول محاضراتي أبدأ بكيف التعامل مع الآخرين لو أنك قلت أنا دكتور ولابس اللاب كوت لو تعاليت لن تتعلم.
{رحلة طويلة في الطب الشرعي؟
-هي رحلة 20 عاماً في هذا المجال، وهي رحلة شاقة وفي بعض الأحيان ممتعة .
{ التعامل مع شخص ميت فيه متعة؟
-شوفي أنا هذه الكلمة استخدمها في إشارة لارتياح النفس عندما تصل إلى شيء هام تستخلصه من المتوفى، هذه قمة المتعة مثل أنك جراح وأردت إنقاذ حياة شخص وأنك تطبيب وتوقف النزيف وتقوم بخياطة الجرح ويشفى المريض هذه أفتكر فيها متعة عند الطبيب المداوي، وبنفس المستوى أنا كطبيب شرعي أعتقد أن المتعة هي في كيفية استخلاص أسباب الوفاة ومعرفتها وكيفيتها وما إذا كانت طبيعية أو غير ذلك.. هنا تكمن المتعة وطريقة معرفتها.
{توافقني دكتور أن مفاهيم الطب الشرعي لدى الكثير من الناس تعتبر مخيفة للدرجة التي يرفضون معها تشريح جثث ذويهم؟
-أكيد والإعلام أفادنا كثيراً في عملية التوعية بأهمية الطب الشرعي، وأنا أذكر زمان في مشرحتنا القديمة وقعت قضية غريبة أحدثت جدلاً واسعاً في التشريح أو عدمه والقضية لطبيبة صيدلانية تناولت 16 حبة من عقار تعي جيداً مخاطره، دخلت الصيدلية وتناولت الأقراص دون علم من صديقتها وأثناء طريق عودتهن شعرت بدوار وسقطت مغشياً عليها وتوفت، وعندما تم الإتيان بها إلى المشرحة رفض أهلها تشريحها وعقب ساعات من الجدل قمنا بعملية التشريح ووالله لما أنا فتحت المعدة وجدت الحبوب مقسمة على أنصاص وأرباع طافية، فأخذتها أي ـ الحبوب ـ وذهبت إلى أسرتها وقلت لهم (بتكم انتحرت) ومن هنا تكمن أهمية الطب الشرعي والتشريح، لأنه كان من الممكن أن تتهم صديقتها لولا التشريح وعلى الناس أن تعي هذه الأهمية الكبرى.
{الناس تخاف من نقل الأعضاء؟
-الناس بتخاف من نقل الأعضاء ودا هنا في السودان غير موجود ومن المفترض أن يأخذ في حالة الموت الإكلينيكي لأن الأعضاء بتكون حية، هنا مثل هذا النقل لا يحدث لأنه بحاجة لأجهزة على درجة عالية من التقنية الحديثة وهو غير موجود لدينا ولذا لا داعي لهذه المخاوف.
{يتفاوت موت عضو من آخر ويصبح بالإمكان نقل العضو الذي يعيش وقتاً أطول أليس كذلك؟
-نعم يتفاوت موت عضو من آخر لكن كما ذكرت لك أن عملية النقل صعبة لدينا في السودان ولا تحدث إلا عبر أجهزة حديثة.
{على ذكر المشرحة القديمة (الخرطوم) كيف حالك داخل مشرحة بشائر؟
-لا أحب الحديث في هذا الأمر.
{إذا تحدثنا عن الطب الشرعي (دكتور) نجد أنه لم يأخذ حظه بين التخصصات الأخرى؟
-الطبابة الشرعية العدلية في السودان لم تجد حظها بين التخصصات المختلفة كما ذكرت إلا مؤخراً، فقد كانت تسمى بالندرة وفي بلادي ندرة شديدة حيث لا يوجد أطباء شرعيون، ففي لحظة من اللحظات غادر كثير من الأطباء الشرعيون السودان ولم يتبقَّ سواي وشقيقي الدكتور “بابكر إبراهيم” الذي كان موجوداً في المشرحة، فقد كنا الطبيبين اللذين نؤدي هذا العمل في كافة السودان في العام 1997 وكنا نقوم بكل الأعباء ومعنا إخوتنا في كلية الطب جامعة الخرطوم، ولكن الحمد لله بعد ذلك تمكنت أنا ببعث كمية من الأطباء إلى مصر لدراسة هذا التخصص وكان نتيجة مجهودات مقدرة من الدكتورة “تابيتا بطرس شوكاي” التي كانت تشغل في ذلك الوقت وزيرة الصحة الاتحادية، فقد وافقت على اختيار 20 طبيباً ليتولوا أمر الطبابة الشرعية لأنني أحببت أن أضع قاعدة للطب الشرعي في البلاد وبدأنا نفكر في الأمر جلياً، لأن الأمر هام بالنسبة لنا للارتقاء بهذا التخصص، فنحن في عهدنا الذي تولينا فيه أمر الطبابة الشرعية قمنا بعقد ثلاثة مؤتمرات وكانت عالمية للطب الشرعي، ولاحظي نحن في ندرة شديدة ولا يوجد أطباء شرعيون ونقوم بعمل ثلاثة مؤتمرات عالمية استطعنا عبرها أن نجمع كل الأطباء الشرعيين في الوطن العربي وإذا بجمهورية مصر العربية العظيمة، الفتية، والمتفانية وأنا أفتكر أنها التوأم لهذا البلد الشقيق، تبنت تدريب عدد من الأطباء الشرعيين وذلك عندما ذهبت إليها في عهد السيد السفير “أحمد عبد الحليم” والتقيت بوزير العدل، وأول ما جلست أمامه قال ليا سوار الدهب أنا عرفت إنو عندكم مشكلة كبيرة في الطب الشرعي إنت عاوز شنو، فقلت له عاوز تدرب لي أطباء شرعيين في مصلحة الطب الشرعي بالقاهرة، فوافق على إعطاء السودان 20 بعثة دراسية وقامت تابيتا بتمويل هذه البعثة كاملة، تخرجوا جميعهم بدرجة الماجستير.
{البعثة من ولايات مختلفة؟
-نعم من (مدني ـ سنار ـ شندي ـ بورتسودان) وغيرها ليعملوا في ولاياتهم، أنا بتفكر أن ندرة هذا التخصص جعلت الأشياء فيه تتفاوت كثيراً الآن أنا أذهب إلى أقاليم كثيرة فلا توجد مشرحة ولا يهتموا بالمشارح، وأنا أفتكر أنها حاجة لا تكلف شيئاً، فالمشرحة في شندي عبارة عن غرفة صغيرة يتم فيها تشريح الميت بدون أدوات بدون منضدة بدون فنيين، ولذلك فدائماً ما أقول إن الطبابة الشرعية تحتاج إلى رؤية وتفكير ثاقب، نحن لا نتحدث عن الخرطوم نحن نتحدث عن قومية السودان وعن أقاليمه.
*الخرطوم الآن أصبحت السودان المصغر ولذلك الاهتمام بها أكثر من غيرها؟
-حرام الشخص يقوم من “نيالا” عشان يجي الخرطوم، لابد أن تكون رؤيتنا رؤية قومية.