في خلاء المراعي والمزارع : بين (سلبة القد) و(سرج المخلوفة).. تاريخ زاخر وأشعار مهولة
في المنطقة الخلوية لمحلية المتمة تتجدد ذكريات أيام خلت منذ عهد الأجداد أهل الأرض الزراعية وأصحاب المراعي والحواكير والحفائر والآبار، وكثيراً يتمنى الناس هناك عودة تلك الحقبة التي سكنت ذاكرتهم وتوارثوها جيلاً بعد جيل بكل وقائعها وجمالياتها، فحينما يُنشد شاعر لم يبرح (بهائمه) قط، إلى أن رحل عن الدنيا وهو “محمد حسن محمود” الملقب بـ(حُمر) عليه الرحمة فيقول:
الناس همهن هم الطرب والسرحة …. وأنا همي هم الما بلاقي الفرحة
بت البجازن بالوطا المنطرحة … من حس الصفير كل مرة تاخد مرحا
جغرافيا القطعان
يسترجع (الوقيداب) أيام رعي الماشية (الضأن، الإبل، الماعز، الأبقار) في الخلاء، ويقصد “حُمر” بالسرحة، التحرك مع البهائم، ويعني بـ(البجازن) الصيد في الخلاء البعيد، و(تاخد مرحا) أي تبعد عن الصفير لكلب الصيد ليصطادها، ويحدد (الوقيداب) مكان المرعى شمالاً من دو الهويده، ضهر البقر، القرينات، التقرة، وعرة موسى، وعرة ود رحمة، الزوال، دو صالح، الهرابة، أم عنيش، بريقات المربع، وحتى أيد الإمام وأيد المخيت، وغرباً من الكريبة، أم تنون، اللعوت، دو موسى، إلى الجفري شرقاً باتجاه القبلة بت فزّاع، أم كنين، العنبليب، إلى الناجحية، وجنوباً حتى قراهم التي يقطنوها الآن.
بئر الجعليين
و(الوقيداب) هم أصحاب فكرة حفر بئر (الجعليين) أو بئر (السحية) داخل المرعى، والتي يبلغ عمقها (50) رجلاً، ويطلق عليها (سانية) ويستخرج منها الماء بـ(سلبة القد) أي (حبل الجلد) الذي يُصنع من جلود الأبقار المدبوغة بطول خمسين رجلاً، ويجره جمل ملحقة به (بكرة)، ويحيط بالبئر (12) حوضاً للمياه يستخدمها الجعليون (العلامة، الرحماب، القطيعاب، البليواب، والقوالي) لبهائمهم، وهم شركاء (الوقيداب) في المرعى، والبئر الذي استغرق حفرها سبع سنوات، وقيل أنها سُحر، لذلك تأخر انجازها هذه السنوات الطويلة.
نداوة الماء في شعر (ود قولاي)
وما زال الماء يجلب من البئر إلى اليوم، وما زال بعض (العنانين) الذين أجدبت منطقتهم الخلوية وظمئت بهائمهم يسقونها من هنا، وبينما تمتد بجانبي البئر أعواداً بيضاء تسمى (دقاق سلب) وتستخدم في استخراج الماء منها وفقاً لعملية تسمى بـ(النشل)، وفي هذا قصة رائعة يرددها أهل (المنطقة) مفادها أن أحد أهل المنطقة عندما سأله القاضي عن مهنته، أجاب بأنه (نشال)، فطالب القاضي بحبسه، ولكن من كانوا معه فسروا له أن الرجل يعمل في مهنة (نشل) الماء من البئر للسقيا، فأفرج عنه وأطلق سراحه فوراً، وقد وثق جدنا الشاعر “عوض الكريم قولاي” لأنماط الحياة كافة في شعره، ومن ضمن ما قال “ود قولاي” عليه الرحمة:
بتيخة الرمال الليلة لاقيا عديلة… تمسي مخدرة وأصبح مجدد نيلا
أمسي شديد وأصبح من حسارا عليلا.. بي ألفين جنيه بيعتك معانا قليلا
رب العباد وسع مواعين كيلا
الحاكم الجديد قال الغرام مو سيرا… شاف نيشانو قابض ودور القسطيرا
ويُحكي عن “ود قولاي” أنه كان يبحث عن الماء ليسقي أبقاره، فلم يجده إلاّ في قرية (عد العيساب)، وبعد أن أكرموه، أنشد قائلاً:
العد الروي الحافرنك العيساب
ومايا راقد قلوت وتساب
في الجود والكرم لاعن صغيرن شاب
يبادروك بالطعام زي خلوة البادراب
روايات الحياة
وبذكر (العيساب) تنهض صفحة أخرى من التاريخ الزراعي للوقيداب في الدشيشة إلى قليعة الريح ودرو حامد وأم فريوه ونزلهم في غبينة وهو تاريخ لا يغفل جيرانهم في الزراعة من القطيعاب والراوياب أولاد عبد الجبار والرحماب، وغيرهم حتى الـ(30)عود التي أعطاها جدودهم لـ”حسن عبد السلام الكبريت” هذا غير ملف أرض النقع.
وفي عيد الفطر الماضي، عقدنا العزم على زيارة هذا الخلاء كله مرعى وزراعة، لكن رحلتنا اقتصرت على المرعى فقط وعقب زيارة بئر الجعليين تناولنا الشاي عند أحمد ود “محمد ود محمد أحمد” الملقب بـ(سمرا)، وهو من (العنانين) الذين يحدون الجعليين في المرعى الغربي بعد الجفري في وادي القندولي، وللعانين قصص وروايات وذكريات مؤثرة مع (الخلاء) يطول شرحها.
قُج الشرك لصيدا
وحدثنا “سمرا” عن الذين مازالوا يقطنون الخلاء ويصعب عليهم مبارحته لارتباطهم بالمرعى و(البهائم)، وحدثنا أيضاً عن بئر العنانين المشابهة لبئر الجعليين، وعاتب “محمد عبد الرازق” على إهماله حفير أبيه وعدم تنظيفه وتركه نهباً للزحف الصحراوي المُسمى محلياً بـ(السافي أو السفاية). وفي منزل “سمرا” وجدنا كل تراث الرعاة من سروج المخلوفة وسلبة القد التي يبلغ طولها أكثر من خمسين رجلاً، وبيت الشعر، وكل جماليات حياة البداوة، فتذكرت ما كان يردده “بابكر عريبي” عليه الرحمة، حين يقول:
رخيتلو الرسن واتاريها الغردة جديدة
مسكتو الدرب تعلا لقالو هويدا
والتعل هو ماء المطر الذي ينزل من السحابة المتحركة في الخلاء الواسع الذي يسمى الهويدا، وتذكرت أيضاً ما كان يترنم به أهل البلد:
الجدية ألفي الهويدا، وحي الله كلو بريدا
يا راعي الضان قج الشرك لي صيدا
من نسي قديمه تاه
وعندها أصاب معظمنا حنين جارف لتلك الأيام الخوالي، غير أن معظم الناس لا زالوا يؤكدون على ضرورة أن تكون لـ(مواطن الخلاء) صاحب البهائم وراعيها خصوصية عند توزيع أرض مشروع (فارج الزراعي) المقترح في المنطقة، وأن يعطي المُزارع حقه كاملاً غير منقوص في الأرض الزراعية حال استثمارها من قبل أي مستثمر أجنبي، وأن لا يسطو من ليس لهم تاريخ في المنطقة على حقوق غيرهم تحت أية ذريعة. ويعتبر أهل المراعي والأرض الزراعية حقهم خطاً أحمر، وهذا ما ترجمه شاعر الدوبيت الذي كان مرافقاً لنا في الرحلة أيام عيد الفطر “محمد ود عبد الرازق” قائلاً:
الباب البجيب النقرا اقفلو وسدو… والجار الحسود انزل بعيد من ردو
راقاي الجمال يوم الصبق ما تشدو … الجلد الرهيف الهينة قاعدا تقدو
الضيب والكلب ما بخلي عادة جدو
وللعرب قصص وطرائف كثيرة في الخلاء وحكم وأمثال لا حصر لها، كما أن بعضهم لا زال يحتفظ بأدوات الزراعة كـ(السلوكة)، وهم في ذلك يوزعون ما يفيض من خير أرضهم وزراعتهم على غير الزارعين، بينما يوزع ما يفيض من ألبان (البهائم) ولحومها على الفقراء منهم. ولأن الحديث عن هؤلاء البسطاء الطيبين وتاريخهم يتطلب أسفراً وكتباً، فدعونا نتوقف هنا، على أن نعود مرة أخرى.