خزعبلات (فك الارتباط)!!
{ تركت الحكومة واجباتها (الدفاعية) والعسكرية في حماية البلاد والعباد، وتأمين النساء الحرائر، والشيوخ والأطفال في جنوب كردفان، وأخذت تشرخ آذان شعبنا بحديث ماسخ ومكرور وغير مفيد عن ضرورة (فك الارتباط) بين دولة جنوب السودان، والفرقتين التاسعة والعاشرة اللتين تمثلان متمردي (قطاع الشمال) في منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق، والأخيرة لم تعد هناك حاجة للإشارة إليها، بعد أن أنهى الأسد الهصور اللواء الركن “يحى محمد خير” – لله دره – مهمته مبكراً جداً في منطقة “الدمازين” العسكرية، ولم ينتظر إذناً من (المؤتمر الوطني) أو وفد الحكومة المفاوض السابق أو اللاحق!! وقبل أن يتداعى علينا (دعاة السلام) المثقوب والمضروب، يشقون الجيوب ويلطمون الخدود، دامعين ومنتحبين، مطالبين بوقف الحرب في النيل الأزرق، لأن (الحرب) كما يردد (وزراء) وفد الحكومة المفاوض، لا تحل القضية، ولا بد من السلام.. سلام الهدايا والعطايا والحريات (الأربع).. بل (الأربعين) كما يتمنى وزير الدولة برئاسة الجمهورية.. “إدريس محمد عبد القادر”!! حفظه الله ورعاه.
{ لكن اللواء “يحيى محمد خير” الذي نقلوه إلى قيادة (الحرس الجمهوري)، ثم إلى (الكلية الحربية)، لم ينتظر فرقة المفاوضات (الموسيقية) ومن خلفها ضاربو (الطار) في صحافة الخرطوم، فطارد الفريق “مالك عقار” رئيس (قطاع الشمال) من سهل إلى سهل، ومن جبل إلى جبل، ومن جحر إلى جحر، حتى طرده من أطراف “الكرمك” وتخوم “قيسان” وألقى به خارج الحدود.. مهزوماً محسوراً، فلم يجد رئيس (القطاع) أرضاً (محررة) يلجأ إليها غير “جوبا” عاصمة جمهورية جنوب السودان!!
{ إن القوات المسلحة السودانية التي قاتلت في النيل الأزرق، وأنهت المهمة باكراً، وأدت التحية، و(رفعت التمام)، هي ذاتها التي تقاتل – الآن – على مرمى “دانة” من “كادوقلي”.. (عاصمة) ولاية جنوب كردفان!!
{ الاختلاف الوحيد والمهم أن القيادة (السياسية) و(العسكرية) في النيل الأزرق عند (الهجمة) كانت متوحدة في يد قائد المنطقة العسكرية “يحيى محمد خير”.
{ لا أؤمن بمبررات من شاكلة أن اختلاف البيئة والتضاريس بين النيل الأزرق وجبال النوبة هي السبب في حسم المعركة سريعاً من “الدمازين” وحتى “الكرمك”، ولكن الفرق في الإرادة والعزيمة، ووضوح الرؤية، وتحديد الخيار، وسرعة اتخاذ القرار.
{ تخيلوا معي لو أن الوضع العسكري في جنوب كردفان كان مثل النيل الأزرق، هل كان بمقدور أحد أن يرفع صوته، أو قلمه، ليلقي علينا (المحاضرات) عن ضرورة المفاوضات مع (قطاع الشمال)، وهل كان القرار (2046) سيصدر متضمناً أية إشارة إلى (قطاع) لا وجود له في (الميدان)؟! وهل كان باستطاعة “هايلي منكريوس” أن يطالبنا بتوقيع ما يسمى بـ (الاتفاق الثلاثي) لتوصيل المساعدات الإنسانية؟! فلينقلوا المساعدات كيفما شاءوا إلى لاجئي (قطاع الشمال) في معسكرات داخل “إثيوبيا” حيث لا معسكرات – الآن – على أرض النيل الأزرق!!
{ يجب أن تتوقف الحكومة عن ترديد حديث العاجزين عن ضرورة فك ارتباط المتمردين في جنوب كردفان مع دولة الجنوب، وعليها أن تؤدي واجباتها في تحرير (كل) الأراضي والجبال في جنوب كردفان، سواء أن (فكوا) الارتباط، أو لم يفكوه.
{ إنها والله لفضيحة ما بعدها فضيحة، أن نتباكى منتظرين (فك الارتباط) مع دولة بائسة صغيرة فقيرة، لا حول لها ولا قوة، لا جيش نظامي ولا طائرات، ولا مطارات، ولا قيادة، وكانت تمثل (إقليماً) من أقاليم السودان.. لا هي “أمريكا”، ولا “بريطانيا” ولا هي روسيا ولا كوبا ولا فيتنام، هي دولة مقتطعة من أرض دولتنا الكبيرة، حيث كنا نقاتل جيشها (المتمرد) على أبواب “نمولي” عند الحدود مع يوغندا، فصار جيشها يحاربنا الآن ويحتل “سماحة”، ويدخل “هجليج” ويقصف “كادوقلي” ..! يا سبحان الله.
{ دحر التمرد في جنوب كردفان، لا علاقة له باستمرار الاتفاق في ملفات الاقتصاد بين (السودان) و(الجنوب).
{ يجب أن تعلم حكومتنا الذكية أن أي (اتفاق سلام) مع الجنوب، لن يصمد إذا لم نصمد – نحن – عسكرياً.
{ يقول الفيلسوف الصيني “صن تزو”، الذي كثيراً ما يستشهد به الدكتور “غازي صلاح الدين” والوالي “أحمد هارون”، يقول في كتابه (فن الحرب) الآتي:
(يجب ألا نعتمد على فرضية أن العدو لن يهاجم، إذ يجب أن نستعد له، حتى يكون إحجامه نابعاً من منعة دفاعتنا، لا من عدم رغبته في الهجوم).
{ وعملاً بهذا، فإن الهدف أن يحجم متمردو (قطاع الشمال) عن الهجوم على أعماقنا الإستراتيجية، ليس بسبب (فك الارتباط)، ولكن بسبب منعة دفاعاتنا.