رأي

بعد مسافة

“حمدي” ورهن أصول الدولة
مصطفى أبو العزائم
الخبير الاقتصادي والوزير الأسبق الأستاذ “عبد الرحيم حمدي” ظلت آراؤه دائماً تثير الجدل، وتصبح مثل كل ما هو مثير للخلاف وينقسم حولها الناس بين مؤيد ومناهض وكل يتسلح بحججه ومنطق القوي. وكان آخر ما قال به الخبير الاقتصادي المعتق وأثار الجدل والخلاف هو تأييده المعلن والواضح لرهن أصول الدولة بل وأنه قال: أؤيد رهن هذه الأصول بنسبة مليون بالمائة. وتناقلت الصحف ما قاله “حمدي” وأصبح ذلك الشغل الشاغل للكثيرين خاصة في وسائل الإعلام والبرامج المتخصصة، وكان ذلك الموضوع ضمن بعض الموضوعات التي طرحت علي خلال الفقرة التحليلية في برنامج (مانشيتات) بقناة سودانية 24 ظهر يوم (الاثنين) الماضي، وسألني مقدم البرنامج المجتهد الأستاذ حسام رأي في ما قال به “حمدي” وهل سيحل رهن الأصول الحكومية المشكلات الاقتصادية، وما هي المخاطر المتوقعة من ذلك الرهن ثم ما هي الضمانات المطلوبة لإنجاح التجربة.
قبل إجابتي على تلك الأسئلة أبنت لمقدم البرنامج وللسادة المشاهدين أنني لست ضد الفكرة خاصة إن كانت الحاجة تستدعي ذلك، وقول الأستاذ “حمدي” صحيح إذ أن أي مستثمر أو مشتري وطني أو أجنبي لن يستطيع أن يحمل معه هذه الأصول، وذكرت أن ولاية الخرطوم وفق تصريحات صحفية للوالي الفريق أول ركن “عبد الرحيم محمد حسين” أدلى بها للصحفيين في أغسطس الماضي على ما أذكر، سبق لها أن قامت برهن (1400) من العقارات الحكومية المميزة لمقابلة تكلفة مشاريع التنمية  بالولاية وتقديم الخدمات، ولكن الخطورة تأتي من عجز الولاية عن سداد تلك المديونيات دون أن تكون هنالك مشروعات ذات عائد يسمح بالسداد. وأشرت إلى أن ما يهدد التجربة هو التزايد السكاني الكبير داخل الولاية بمدنها المختلفة في مقابل إفراغ الريف من خلال عملية النزوح المستمر إلى العاصمة والمدن الكبرى، مما أحال الريف من منتج إلى ريف خال ليس فيه ما يساعد أهله  ولا يساعد بقية القطر، بينما العاصمة وكبريات المدن أصبحت مراكز استهلاكية ضخمة وتحولت العاصمة إلى أضخم تجمع سكاني في البلاد أوشك أن يصل تعداده إلى نحو عشرة ملايين نسمة.
وحول رهن الأراضي وقيمتها استشهدت بنظرية أب الاقتصاد الحديث الاسكتلندي آدم سميث 1723 – 1695 صاحب كتاب (ثروة الأمم) الذي يعتبر الأساس والبداية لدراسة الاقتصاد السياسي الحديث التي تقول بأن الأرض وحدها هي مصدر القيمة كما كان يقول الاقتصاديون الزراعيون، لكنه أكد على أهمية العمل. وأشرت إلى أن وجود أراضٍ فضاء غير مستغلة لا يجعل لها قيمة إذا لم يتم استصلاحها وزراعتها.
وسبق لي أن تحدثت مع السيد “بدر الدين محمود عباس” أكثر من مرة حول ضرورة تطبيق سياسة التحرير كاملة وغير مقيدة مع التزام الحكومة التام والصارم بواجباتها تجاه مواطنيها في مجال خدمات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي. الأمر ليس صعباً لأن ما نراه الآن من فوضى الأسعار وصعود وهبوط الدولار الذي حولته عقليات العباقرة إلى سلعة وهذه الفوضى لن تزول، إلا بذلك التحرير الكامل الذي يسمح للبنوك والصرافات وبيوت المال أن تشتري الدولار وتبيعه بسعر السوق، لأن حركة العرض والطلب هي التي تجعل السوق يقوم بتنظيم نفسه، وعلى الحكومة التنسيق وتقديم التسهيلات وتخفيض الضرائب والخروج بالمرة عن منافسة المنتجين والتجار، لأن التدخل الحكومي لا يؤدي إلا إلى عجز الحركة التجارية والإنتاج، ويدفع المستهلكون والمواطنون الثمن قيمة أعلى بكثير من القيمة الحقيقية للسلع والخدمات.

مشاركة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة المجهر السياسي السودانية