فضفضة جمعة "سعد الدين إبراهيم".. إنسانية تتمدد على مساحة الوطن
رؤية تواصل غير اعتيادية بينه والقراءة
الخرطوم – يوسف بشير
اعتاد، ومُذ زمن طويل، صاحب (النشوف آخرتا)، التواصل مع قرائه بمختلف مشاربهم، تواصلاً حميماً وصل إلى عُده البعض أحد أفراد أسرته؛ مع حفظ مقام أستاذيته. وكما فتح لهم قلبه؛ فتح لهم أيضاً نافذة في عموده، خاصة في فضفضة (الجمعة)، إذ كان يحتفي بهم، عبر إيراد تعليقاتهم على شتى الموضوعات التي يكتبها، يشاركوه الرأي في بعض نقده ويخالفوه في البعض الآخر، وفي كلتا الحالتين لم يكن يحجب رأيهم. ولا غرو، فالآخر عنده مكان احترام، فكأن رؤيته تقول: الآخر، بعض مني. خلافاً لـ”جون بول ساتر” الذي يرى الآخر هو الجحيم.
الصحيفة، غاصت في أعماق بعض قرائه، وخرجت بما نطالعه أدناه. ونشير إلى عدم مواجهتنا صعوبة في التوصل إليهم، إذ كان الراحل والنقاء صنوان، لا يفترقا. فبني بين أصدقائه و(المجهر) التي أحبها، جسراً للتواصل، نأمل أن يدوم، وإلى الأبد.
إدمان وتقدير
“ليلى الوسيلة”، الصديقة التي تداوم على مواصلة الأستاذ “سعد الدين إبراهيم”، وانتقلت معه في شتى الصحف التي تتزين بكتاباته، وصولاً لـ(المجهر) محطته الأخيرة، وتوضح بأنها فوجئت بإحدى الصديقات تخبرها عن نشره لتعليق لها في فضفضة (الجمعة)، في أخيرة هذه الصحيفة. فاتصلت به، فرد عليها: (معليش، بدون إذنك طعمت بكتاباتك مع الأصدقاء، أرجو الاستمرار لأنك كاتبة هاوية وأسلوبك أحسن مننا). وتقطع بأن هذا التأييد، والدعم من قامة لا يستهان بها، كما تصفه، تحفزت للكتابة، وصولاً لمرحلة إدمان التعليق في أغلب المواضيع.
إنسانية متدفقة
توضح ليلي، بأنه تعرفه، بذات قدر معرفة الناس له، فهو قلب طيب، وإنسان نبيل. امتدت أواصر التواصل والمودة بينهم، إلى درجة أنها تجاريه في الكتابة، فتكتب سهرة (الخميس)، أسوة بتسمية إطلالته يوم (الخميس) بهذا الاسم. وبلطفه المعهود أطلق على كتابتها، المذكورة أنفاً سهرة موازية. وتزيد بأن حديقته يوم (الأحد)، فاقت كل حدائق الحرف نضاراً وجمالاً، لتجاريه مرة أخرى بحديقة موازية.
وعبره، توطدت علاقة “ليلى” بالزملاء في الصحيفة، وفي هذا الصدد تقول: (قراءة المجهر كانت هواية، وبعد الفضفضة صارت التزام، يعقبه التعليق الأكثر التزاماً)، وتضيف: (ناس المجهر يوم شكر كم ما يجي قريب يا رب). وقطعت بأن (المجهر) لا تفارق وسادتها. وزادت، من خلال، فضفضته يوم الجمعة، تعرفت على أصدقائه، ومن بينهم: “يونس فضل” و”أميرة فيصل” و”زيتونة” و”شقي”. فكأنما “محجوب شريف” يقصده؛ حينما قال: (تجمع لم تفرق.. بين الناس تساوي).
وكما وجده قراءه في السراء، ووجدوه أيضاً في الضراء، وتؤيد “ليلي” ذلك، وتقول بأنه عزها يوم وفاة أنها برسالة، خففت عليها المصُاب الجُلل، مفادها: (صحيح لا تقف الحياة علي فقدان أحد لكنها قد تسير دونه بشكل مختلف!).
وتلك الإنسانية المنسابة، تدفقت على الجميع، محاكياً بذلك انسياب النيل، الذي لا يفرق بين الناس. وها هو “كمال ود بارا”، من أصدقاء فضفضته، يعضدها، في قوله: بأن الراحل كان يطمئن في كل محادثهم على أسرته، فتابع مرض زوجته حتى تماثلت للشفاء، وأيضاً تابع حادث حركة تعرضت له ابنته. وكما يطمئن الراحل على قرائه، يطمئنهم عليه، فيخبر المتواصلين معه أن توعك. فيحرص “ود بارا” على مهاتفته كلما عاود الفقيد الطبيب.
تواصل غير اعتيادي
ويعود بنا، “ود بارا” إلى أن متابعته للراحل موغلة في القدم، فأطلعه في أول محادثة بينهم على خاطرة كتبها، فكان تعليقه: (هسي دا شعر ولا نثر). وبحسب “ود بارا” أنه لم يشك، للحظة، أن الأستاذ يسخر منه، بل إن إطراءه مسّ مكاناً قصياً في نفسه. ولأن النص خصوصي، امتنع عن نشره. ومُذ ذاك الحين، تعمقت بينهم المودة، فاتصل به بعد أسبوع، فلم يقل له الراحل: (مرحبا)، وإنما قال ضاحكاً؛ كدأبه: (أتعافيت).
ومن الطرائف التي حكها لنا “ود بارا”، أنه كتبت له ذات مرة: (صمتي عنك كل هذه المدة يستحق الإدانة.. واسيني). فقرأها مدير ابنته في العمل، فسـألها هذا أبوك، أجابت بالإيجاب. ليسألها مرة أخرى، وأين أمك، فردت موجودة، فعلق: (طيب عاوز يواسوه مالو). ولم يكن المدير يعرف أن الاقتباس من أحد كتابات الروائي الجزائري، ذائع الصيت، واسيني الأعرج.
ويذهب “ود بارا” إلى منحنى آخر، ويقول: إن الفقيد كان يحرض أصدقاء الفضفضة على التواصل، خاصة أسيرته بطة، وقد طلب منهم تحرير صفحة، بيد أنه اعتذر لكثرة مشغولياته. وفي حسرة، غير اعتيادية، يفضي لنا “ود بارا” بأنه فشل في تجميع أصدقاء الفضفضة لتلاوة المصحف وإهدائه لروحه الطاهرة، وعزا ذلك لانقطاعه عنهم فترة طويلة. واختتم حديثه معنا، بكلمة في حق الأستاذ، قائلاً: عِشت 66 عاماً، ولم أجد أحداً يمحض الآخرين كما “سعد الدين”.
رؤية ثاقبة
“هيثم الطيب” أحد الصحافيين الشباب المقربين، من الأستاذ “سعد الدين”، لفترة ليست بالقصيرة. يوضح أن رؤية الراحل؛ للفضفضة، في أنها تمثل الخيط العسجدي له مع القراءة، ويصفها بـ(تنغيم التواصل المجيد).
وإضافة إلى أنها براح أسبوعي، فهي نافذة أضافت للصحافة السودانية نبض بين الكاتب والقراءة ينبض تواصلاً نقدياً. ويرى “هيثم” بأنها لم تكن تعليقاً على ما يكتبه الراحل وحسب، وإنما إشارة لحال وواقع فكرة.
وقطع بأن طوال فترة تواصله معه كانت مسافات التواصل مع قرائه ممتدة، ويمضي إلى أن كثيراً ما يقابله قارئ في الشارع العام، فيقف معه بكل تواضع ويستمع له بكل جدية، فيكون مناقشتهم جزءاً من “فضفضة الجمعة”. وذكر أن ذلك يرجع لبراعة الراحل في توليد الأفكار والإشارات التي تميز بها. وجزم بأن ما كان يراه الأستاذ بأن يكون العمود ملكاً للقارئ، ومن ذلك قوله: (لازم كل قارئ يشوف نفسه في العمود عشان يحس انو حقو ويتواصل معاهو بحبّ).