الديوان

(المجهر) تعيد نشره بمناسبة مرور عام على رحيله

الراحل “محمد عثمان” شاعر (أنا سوداني) في آخر حواراته:
أمنيتي.. أن يعود الجنوب لحضن الوطن الكبير.. وأطالب الحكومة الاعتناء بشعبنا العظيم
وأطلب من كل السودانيين أن يحافظوا على الوطن ويعضوا عليه بالنواجذ
الشاعر الوطني “محمد عثمان عبد الرحيم” المولود بمدينة العلم والعلماء “رفاعة” في العاشر من يناير 1914م، والذي يصادف اليوم الحادي عشر من أكتوبر ذكرى رحيله الأولى، هذا الرمز الوطني الراحل استطاع أن يرسم بيراعه الإبداع، صورة زاهية وناصعة للسودان والسودانيين الذين عرفوا بالصلاح والفلاح أينما ذهبوا، حيث صاح بصوته العالي (أنا سوداني أنا)، فكانت تلك الأنشودة الوطنية الرائعة الجمال التي رددها الشعب كله مع العملاق “حسن خليفة العطبراوي”، وعبر كلماتها تحددت ملامح عظمة السودان، كما حددت مسار كل أبناء هذا الوطن، ونبهتهم لما تحمله هذه البلاد الشاسعة الواسعة والممتدة من خبرات وثروات ونعم وفيرة. ثم دعتهم للتباهي والافتخار بعزة وشموخ هذا الوطن النادر ووضعه في حدقات العيون.. شاعرنا العظيم “محمد عثمان عبد الرحيم” ذهبنا إليه في داره العامرة بحاضرة العلم “رفاعة” في يناير العام 2014م لنبارك له عيد الاستقلال وعيد ميلاده الـ(100)، فكانت لنا معه هذه (الدردشة النادرة)، حاولنا خلالها أن نستعيد معه بعض ذكريات الزمن الجميل، وعلى الرغم من تقدمه في السن ظل وبفضل الله ورعايته يتمتع بذاكرة حاضره ونشطة. واليوم وبمناسبة مرور عام على رحيله وانعقاد مؤتمر الحوار الوطني نعيد نشر هذا الحوار التوثيقي. 
جلس إليه – عامر باشاب
 { في البداية قلنا له كل السودان يعرف الأستاذ “محمد عثمان عبد الرحيم” شاعر أنشودة الاستقلال الأولى (أنا سوداني أنا).. ولكن اليوم نريد أن نتعمق أكثر في شخصكم الكريم؟
– فجاء رده لنا بالمقطع الأول من إحدى قصائده القديمة تحمل عنوان (بطاقتي) فقال بصوته الجهور:
أنا شاعر لم يجرِ خلفَ مطامعٍ
يجري ويلهثُ خلفَها شعراءُ
أنا من “رفاعة” من صميمِ ترابِها
يغري انتباهي طينُها والماءُ
وحدائقٌ غناءُ آتت أكلها
وبراعمٌ وأزاهرٌ ورواءُ
أبناؤها صحبي وغالبُ أهلها
أهلي وجلُّ شبابها نبلاءُ
{  ما هي أمانيك في هذا العام الجديد؟
– أولاً أسأل الله العلي القدير أن يحفظ السودان الوطن الغالي ويمن عليه وعلى أهله بنعمة الأمن والاستقرار والنماء والرخاء، كما أسأله أن يحفظ سائر بلاد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ويحفظ كل مؤمن بوحدانية الله.. وإن كانت لي أمنية وحيدة، فهي أن يعود “جنوب السودان” لحضن الوطن السودان الكبير.
{ أستاذ “محمد عثمان” ماذا تبقى بالذاكرة عن يوم 1/1/1956م؟
– هذا يوم من أيام السودان الخالدات، وهو بالتأكيد يوم لا ينسى، فكيف ينسى المرء يوماً تحرر وانعتق فيه من الظلم والاستبداد والاستعمار، هذا اليوم المشهود ظل بكل أحداثه العظيمة راسخاً في ذاكرتي كل هذه السنوات، وكل مشاهده المهيبة وكأنها حدثت بالأمس.
{ الآن حدثنا عن دوركم كمبدعين في تحقيق الاستقلال؟
– المبدعون لم ينفصلوا عن مجموعات المقاومة الشعبية بكل مكوناتها وكياناتها التي شارك فيها كل أبناء السودان وانتشرت في كل المدن وحركها الشباب والرجال كلٌ في مكانه وموقعه.
{ يقال إن الأغاني الوطنية كانت أقوى الأسلحة التي هزمت الانكسار داخل الإنسان السوداني العادي ودفعته وحفزته للانتصار على الاستعمار؟
– صحيح، في ذلك الوقت كان للأشعار والأناشيد والأغاني الوطنية أثرها القوي في تحريك الشارع ضد المستعمر، فالأغنيات الوطنية الرمزية والمباشرة كانت تصل للوجدان الشعبي بسرعة البرق، وتؤثر في الكبير والصغير، وبالفعل كانت أكثر تأثيراً من الخطب والندوات السياسية.
{ وأنت تكتب أنشودة (أنا سوداني أنا) هل كنت تتوقع لها أن تكون أغنية الاستقلال الأولى؟
– (أنا سوداني أنا) هذه القصيدة ولدت قبل الاستقلال بعدة سنوات بالتحديد في منتصف الأربعينيات.. وحقيقة هذه القصيدة كتبتها بانفعال صادق، ولذلك خرجت كلماتها معبرة عن ما كان يعتمل في داخل كل سوداني في ذلك الوقت، ولكي أكون صادقاً معك بعد أن كتبتها أحسست بأنها ستجد حظها من الانتشار والقبول والتفاعل، ولكن لم أتوقع أن تأتي في مقدمة الأغاني التي ساهمت في تحقيق الاستقلال وهذا من فضل ربي.
{ كيف وصلت الأغنية لـ”العطبراوي”؟
– وقتها كنت أعمل محاسباً برئاسة السكة الحديد بمدينة “عطبرة”، عرضت قصيدة (أنا سوداني) للأخ والصديق الأديب الأستاذ “الطيب محمد الحسن” شاعر أغنية (يا وطني العزيز يا أول وآخر)، ومجرد أن فرغ من قراءتها أخذها على الفور للفنان “حسن خليفة العطبراوي” الذي قام بتلحينها على جناح السرعة وخلال أيام قلائل غناها على الملأ وذاع صيتها.
{ من الشعراء والفنانين الذين عاصرتهم بمدينة “عطبرة”؟
– الشاعر “جوزيف بطين صباغ” والشاعر “عبيد الطيب”، ومن الفنانين الفنان “حسن خليفة العطبراوي” والفنان “عبد العزيز محمد داؤود”، والأخير كان يعمل معنا في السكة الحديد.
{ ومن النقابيين؟
– من النقابيين المقربين لي في ذلك الوقت كانوا كثر، وأذكر منهم “الحاج عبد الرحمن” رئيس اتحاد عمال السكة الحديد، و”سليمان موسى” و”قاسم أمين” وأذكر أيضاً “عبد الخالق محجوب” كان دائماً يأتي إلينا في “عطبرة” وباستمرار للمشاركة في الندوات السياسية.
{ علمت أنك عملت بالسكة الحديد “عطبرة” لمدة ست سنوات فقط.. إلى أين اتجهت بعدها؟
– بعدها عملت في مدينة “مدني” مديراً لـ(مطابع النيل الأزرق) لمدة سنتين، ثم عملت محاسباً في “بلدية رفاعة” لمدة سنتين أيضاً، وانتقلت منها مرة أخرى إلى “مدني” محاسباً بوزارة الري أيضاً لفترة قصيرة حتى وصلت إلى درجة مراجع حسابات، وبعدها نزلت إلى المعاش وأيضاً من المواقع التي عملت بها بعد عودتي من “عطبرة” مباشرة عملت معلماً بمدارس الأحفاد في أم درمان في عهد مؤسسها “بابكر بدري” وزاملت فيها الشاعر الكبير “عبد الله أحمد عمر البنا”.
{ ملاحظ أنك لا تعمر كثيراً في كل المواقع عملت بها؟
–    هذا بسبب مناهضتي للاستعمار نشاطي السياسي، حيث كنت دائماً ما أتعرض للاعتقال والسجن في كل من “عطبرة” و”مدني” و”الخرطوم”، وحتى وأنا طالب في كلية “غردون” تعرض للاعتقال والحبس، وكنت عضواً في لجنة (الزعفران) التي قادت أول إضراب ضد المستعمر.
{ وماذا درست في كلية “غردون”؟
– “كلية غردون التذكارية” درست فيها المحاسبة، وتخرجت فيها في العام 1931م، وزاملت فيها الإمام “الصديق المهدي” والد الإمام “الصادق المهدي”، أيضاً زاملت فيها الشاعر “ميرغني عشرية” و”خليفة عباس العبيد” و”محمد الحسن عبد الله يس” عضو مجلس السيادة،، ومن دفعتنا أيضاً المهندس “محمود محمد طه”.
{ رفقاء نضال وأصدقاء مقربون؟
– “محمد أحمد المحجوب” و”يحيى الفضلي”.
{ حدثنا عن أول دواوينك الشعرية؟
– أول ديوان لي (في رياض الأمل) طبع في “القاهرة” في عام 1947م، وكتب مقدمته الشاعر الصديق “إبراهيم ناجي”.
{ ماذا لديك من الأغنيات العاطفية؟
– لديَّ العديد من الأغنيات العاطفية المسجلة وموجودة بمكتبة الإذاعة السودانية منها أغنية (الندامة) التي تغني بها الفنان الراحل “الخير عثمان”، وأيضاً أغنية (اشتياق) التي تغنى بها الفنان الراحل “عبد المنعم حسيب”.
{ أخيراً والبلاد تحتفل بذكرى مرور (58) عاماً على استقلال السودان وأنت تستعد للاحتفال بعيد ميلادك (المائة) الذي يصادف يوم 10 يناير المقبل، ماذا تطلب من السودانيين حكومة وشعباً؟
– أطلب من الحكومة أن تعتني بشعب السودان، هذا الشعب العظيم، وأطلب من كل أبناء هذا الشعب أن يحافظوا على الوطن ويعضوا عليه بالنواجذ، وأخيراً أشكر أسرة صحيفة (المجهر) على سؤالها عني وتفقدها لأحوالي وكل عام والجميع بألف خير.

مشاركة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة المجهر السياسي السودانية